الرئيسية | عن الموقع | اتصل بنا | خريطة الموقع | للاعلان
 
اخر الاخبار :

بولندا ....التجربة الأنجح في التحول إلي اقتصاد السوق والديمقراطية

: 7671 مشاركة على السياسى بوك
الاثنين,15 ابريل 2013 - 06:03 ص

بولندا حاليآ واحدة من الدول السبع و العشرين المكونة للاتحاد الاوربى ولكنها تتميز عن نظيراتها بالاحداث التى جرت على ارضها خلال القرن العشرين وكان اخرها فتح الباب امام التحول نحو الديمقراطية فى شرق اوربا

بكل المقاييس تمثل بولندا قصة نجاح كبيرة سواء علي صعيد الإصلاح الاقتصادي أو علي صعيد الإصلاح السياسي‏,‏ وإن بدي النجاح الكبير بتكلفة اجتماعية عالية‏,‏ قادت المزاج السياسي العام إلي التحول إلي اليسار‏.‏ فعلي صعيد الإصلاح السياسي يمكن القول إن بولندا قد استطاعت خلال‏11‏ عاما‏,‏ التحول من نظام سياسي تسلطي قائم علي هيمنة الحزب الواحد إلي نظام سياسي متعدد الاحزاب قائم علي الديمقراطية البرلمانية وحكم القانون‏.‏ وعلي صعيد الإصلاح الاقتصادي فإن تجربة بولندا قد تكون من أكثر التجارب نجاحا في شرق ووسط أوروبا مقارنة بالتجارب الأخري للتحول إلي اقتصاد السوق‏.‏

ظلت بولندا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية اسيرة لحكم شيوعى ديكتاتورى قمعى تابع للاتحاد السوفيتى، وبمرور الوقت تزايد الرفض الشعبى لهذا الحكم والذى وصل الى حد المواجهات الدامية لمدة ثمانى سنوات منذ 1981 وحتى عام 1988 حيث شهد هذا العام بداية العمل على اتمام فكرة المائدة المستديرة. توصلت السلطة الى قناعة بأن الاوضاع الداخلية على وشك الانفجار والدولة على وشك الافلاس والمعارضة فى المقابل كانت تبلورت فى كيان واحد عرف بـ (حركة التضامن) وعلى رأسها (ليخ فاليسا) وهو عامل ومناضل سياسى ونقابى تم اعتقاله من قبل السلطة. ومن ثم كلف الرئيس وزير داخليته الجنرال (كيشتشاك) بالتواصل مع فاليسا لانجاز مائدة مستديرة للحوار بين السلطة والمعارضة تخرج البلاد من الوضع المأزوم. وبالفعل بدأت المفاوضات السرية والعلنية بين الطرفين فى حضور اساقفة من الكنيسة، انتهى الامر بافتتاح المائدة المستديرة فى فبراير 1989، والتى استمر عملها لمدة شهرين وبحضور 450 شخص، انقسم العمل فيها الى ثلاث لجان لمناقشة جدول الاعمال المطروح. وانهت المائدة المستديرة عملها الشاق بما عرف بـ "اتفاقيات المائدة المستديرة" وملحقاتها، بالاضافة الى قرار بتشكيل "اللجنة التوفيقية" وتتألف من ممثلين عن القوى المشاركة يكون من شأنها متابعة تنفيذ مقررات المائدة المستديرة وحل المسائل المستجدة واخيرا القيام بدور الوساطة فى حالة الخلافات. وكانت المائدة المستديرة هى نقطة البداية لانتقال بولندا نحو الديمقراطية.

كتب الرئيس البولندى الحالى (برونيسواف كوموروفسكى) فى مقدمة كتاب "المائدة المستديرة البولندية من الديكتاتورية الى الديمقراطية" الصادر باللغة العربية فى نوفمبر 2011 والموجه الى دول الربيع العربى: "بفضل التحولات الصعبة والموجعة اجتماعيا، ومطباتها السياسية فإن بولندا 1989 وبولندا 2011 عالمان مختلفان تماما. كانت الديون الخارجية هائلة وخزينة الدولة فارغة. اليوم تضاعفت منتجاتنا وصادراتنا. اليوم عشرات الالاف من البولنديين يقضون اجازاتهم على شواطئ مصر وتونس الرائعة وكان ذلك قبل 20 عاما حلما يقارب المستحيل.اننى مدرك للعوامل الثقافية والاجتماعية المختلفة بين بولندا والدول العربية لكنى اعرف ان دروسا يمكن الاخذ بها من التجربة البولندية. ان تجربة بولندا تقول لنا ان الوفاق ممكن ان يُبنى.لم تكن المظاهرات الدموية او الضحايا (الذين سقطوا بكل اسف) عنوان لانتصارنا بل كانت المائدة المستديرة فى 1989".

التحول الاقتصادى
شير الخبراء البولنديون‏,‏ بزهو‏,‏ إلي التقرير الأخير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية‏,‏ الذي تضمن انه بعد عشر سنوات من انطلاق البرنامج الطموح للتحول الاقتصادي فإن بولندا تعتبر الأكثر نجاحا في التحول الاقتصادي بين دول وسط وشرق أوروبا‏.‏ كما يزهو البولنديون‏,‏ أيضا‏,‏ بالتقرير الأخير للاتحاد الأوروبي الذي أكد ان الاقتصاد البولندي يعمل فعلا وفق آليات السوق‏,‏ ويستطيع المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي في المدي القريب‏,‏ ويطمح البولنديون إلي أن يكون الاقتصاد البولندي ضمن الاقتصادات العشرين الأكبر في العالم خلال عشر سنوات‏.‏
وتعكس المؤشرات الاقتصادية العامة‏,‏ نجاح التحول الاقتصادي في بولندا‏,‏ فقد بلغ اجمالي الناتج المحلي عام‏2000‏ مايزيد علي‏160‏ مليار دولار‏.‏ وارتفع متوسط دخل الفرد إلي أربعة آلاف دولار سنويا‏.‏ كما استطاعت بولندا اجتذاب استثمارات أجنبية خلال السنوات العشر الماضية‏,‏ بإجمالي‏50‏ مليار دولار‏.‏ ووصل مستوي تدفق الاستثمارات الأجنبية‏,‏ خلال العام الماضي وحده‏,‏ إلي نحو‏8,5‏ مليارات دولار‏.‏

بيد ان تجربة التحول الاقتصادي في بولندا‏,‏ تستحق ان تروي‏,‏ وهكذا رواها نائب وزير الخزانة ياتسك امبروجيك لـ بعثة الأهرام‏.‏
لقد كانت احدي المهام الاساسية من أجل التحول الاقتصادي بعد ثورة‏1989,‏ هي تحرير سعر الصرف‏,‏ حيث كانت سوق الصرف الأجنبية تقوم علي تعدد أسعار الصرف‏.‏ ولم يكن السعر الرسمي للعملة الوطنية زلوتي يعكس قيمته الحقيقة‏.‏ وبرغم اتباع سعر صرف مرن في الفترة بين عامي‏1990‏ و‏1993,‏ فإن سعر الصرف أصبح حرا بعد ذلك‏,‏ ليكون إداة من أدوات التحول إلي اقتصاد السوق‏.‏

عملية الخصخصة
وكانت المهمة الثانية في التحول الاقتصادي هي تخلي الدولة عن نظام التخطيط المركزي‏.‏ ففي اقتصاد التخطيط المركزي الذي كان قائما قبل عام‏1990,‏ كان الانتاج يتم من خلال قرارات مركزية وليس من خلال الطلب في السوق‏,‏ أو وفقا لواقع الربح‏.‏
وفي هذا الإطار كان قرار خصخصة الشركات العامة‏,‏ الذي صدر عام‏1990.‏ وبدأت عملية الخصخصة بقطاع تجارة التجزئة والخدمات‏.‏ وكانت البداية متواضعة من خلال طرح أسهم خمس شركات في البورصة‏.‏ ثم تسارعت عملية الخصخصة‏.‏ ففي الفترة بين يوليو‏1990‏ وحتي الآن‏,‏ امتدت عملية الخصخصة إلي نحو‏5243‏ شركة كانت مملوكة للدولة‏.‏ وتبقت‏2147‏ شركة‏.‏ وقد جرت عملية الخصخصة من خلال ثلاثة نظم‏.‏ إما من خلال البورصة‏,‏ أو من خلال تسييل اصول الشركة أو بعضها‏,‏ أو بنظام المستثمر الاستراتيجي‏.‏
ويقول ياتسك امبروجيك ان البورصة كانت إحد ادوات التحول الاقتصادي‏,‏ حيث تم إنشاء البورصة عام‏1990‏ اخذا بنظام بورصة باريس‏.‏ ويبلغ رأس مال الشركات المدرجة بالبورصة حاليا نحو‏30‏ مليار دولار‏.‏ غير ان بورصة وارسو تتسم بقلة عدد الشركات المتداولة اسهمها فيها‏,‏ حيث لايزيد العدد علي‏30‏ شركة‏.‏ ويرجع السبب في ذلك إلي أن عملية الخصخصة تمت في الجانب الأكبر منها بنظام المستثمر الاستراتيجي‏,‏ أو البيع لمستثمر رئيسي‏,‏ وليس من خلال طرح الاسهم في البورصة‏.‏ كما ان الشركات البولندية لا تعتمد علي البورصة في زيادة رؤوس اموالها‏.‏

ولكن كيف كان يتم تقويم اصول الشركات قبل بيعها؟
يقول امبروجيك ان التقويم كان يتم من خلال كونسرتيوم محلي أو أجنبي‏,‏ ثم تقوم وزارة الخزانة بدراسة التقويم‏,‏ كما ان البرلمان كان يراقب عملية الخصخصة‏.‏
وبخصوص وضع العمال الذين يعملون في الشركات المعروضة للبيع‏,‏ فقد كان لديهم الحق في شراء‏10%‏ من اسهم الشركة بنصف الثمن في الفترة بين عامي‏1992‏ و‏1997.‏ ولكن بدءا من عام‏1997‏ فقد تم تمليك العمال نحوي‏15%‏ من اسهم الشركات مجانا‏,‏ بالاضافة إلي ان جزءا من حصيلة الخصخصة قد تم تخصيصه لبند الضمان الاجتماعي والتعويضات للعمال‏.‏

وقد كان وراء تسارع واتساع عملية الخصخصة في بولندا‏,‏ إقبال المستثمرين الاجانب علي شراء الشركات البولندية بما تمتلك من سوق متسعة نسبيا‏(40‏ مليون نسمة‏).‏ وقد احتلت ألمانيا المرتبة الأولي في الاستثمار في شركات الخصخصة بنسبة‏14%,‏ وتلتها الولايات المتحدة بنسبة‏8%,‏ ثم هولندا بنسبة‏4%,‏ ثم فرنسا والسويد بنسبة‏3%‏ لكل منها‏.‏
وقد بلغت حصة المستثمرين الاجانب في اصول شركات الخصخصة نحو‏40%‏ وذلك ما يفسر مسألة تدفق استثمارات أجنبية مباشرة إلي بولندا بنحو‏50‏ بليون دولار خلال عشر سنوات‏.‏
وقد يكون المؤشر المهم علي تسارع واتساع عملية الخصخصة ان بولندا تخطط لان يكون نصيب القطاع الخاص في الناتج المحلي بنسبة‏85%‏ عام‏2005,‏ ثم‏90%‏ عام‏2010,‏ بالاضافة إلي أن الخصخصة امتدت إلي قطاع البنوك والسكك الحديدية والاتصالات والطاقة والمناجم والبترول وصناعات الدفاع‏.‏

الجانب الآخر
وككل التجارب الاخري احيطت عملية الخصخصة في بولندا باتهامات بالفساد في الدوائر الصحفية والسياسية‏,‏ ولكن المسئولين البولنديين يؤكدون أنه خلال‏11‏ عاما لم تتم إدانة اي مسئول واحد حيث إن مبدأ الشفافية يحكم الأمور‏!‏
ولكن كانت المشكلة في تجربة الاقتصادي في بولندا وضمنها عملية الخصخصة‏,‏ هو الجانب الاجتماعي‏.‏ فقد وصل معدل البطالة إلي نحو‏16%,‏ وهو من أعلي المعدلات في أوروبا ويعني ذلك ان نحو‏3‏ ملايين من قوة العمل‏(20‏ مليونا تقريبا‏)‏ خارج سوق العمل‏,‏ بالاضافة إلي‏100‏ ألف من الداخلين إلي سوق العمل سنويا يحتاجون إلي فرص عمل في الوقت الذي يتجه فيه الاقتصاد البولندي إلي التباطؤ‏.‏

وترتبط بالبطالة وتباطؤ النمو بارتفاع معدل التضخم إلي مايزيد عن‏8%‏ سنويا في العام الماضي‏,‏ ونحو‏10%‏ عام‏1999‏ وبمعني آخر‏,‏ فإن البطالة وتباطؤ النمو والتضخم هي التكلفة الاجتماعية للتحول الاقتصادي‏,‏ وهي تكلفة عالية دفعت بالشارع السياسي الي المراهنة علي اليسار‏,‏ الذي تشير استطلاعات الرأي الي أنه سيكون الرابح في الانتخابات البرلمانية في سبتمبر المقبل‏.‏

التحول السياسي
وعلي الرغم من أن بولندا قد عانت مثل بقية دول أوروبا الشرقية في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية من هيمنة الحزب الشيوعي والتبعية للاتحاد السوفيتي السابق فإن الحياة السياسية هناك كانت تشهد دائما موجات من حركات الاحتجاج والمعارضة التي كانت تطالب بالديمقراطية والمزيد من الحريات‏.‏
ولعل التاريخ سيذكر بولندا دائما علي انها كانت هي الدولة التي انطلقت منها شرارة التغيير التي اكتسحت بقية دول المنطقة‏,‏ كما انها قدمت نموذجا في التحول السلمي عبر الحوار الداخلي بين الحزب الشيوعي الحاكم وقوي المعارضة التي تزعمتها حركة تضامن العمالية الشهيرة بقيادة ليخ فاونسا في بداية الثمانينيات‏,‏ ويتفق غالبية الساسة البولنديين الذين التقتهم بعثة الأهرام في العاصمة وارسو علي ان نقطة التحول الحقيقية هناك بدأت مع تعيين أسقف مدينة كاركوف الكاردينال كارول فوجتيلا كرئيس للكنيسة الكاثوليكية في روما والذي اصبح لقبه بعد ذلك يوحنا بولس الثالث بابا الفاتيكان‏,‏ وفي تلك الفترة نفسها التي تم فيها تعيين يوحنا بولس الثال بابا للفاتيكان كان الاقتصاد البولندي يمر بأسوا مراحله وبلغ عبء الدين الخارجي مايزيد علي عشرين مليار دولار‏.‏ وفي مواجهة هذا الموقف اضطرت الحكومة الشيوعية إلي رفع أسعار السلع الأساسية وهو مادفع إلي سلسلة من الاضرابات العمالية شلت البلاد‏.‏

وفي‏31‏ أغسطس‏1980‏ نظم العمال في ميناء لينين للسفن في مدينة جدانسك بقيادة فاونسا اضرابا شاملا انتهي بتوقيع اتفاق من‏21‏ نقطة مع الحكومة كانت اهم أركانه سماح الحزب الشيوعي للعمال بتكوين نقابات مستقلة‏,‏ وكذلك منحهم الحق في الاضراب‏..‏ وخلال اسابيع قليلة تشكلت فروع لنقابة تضامن العمالية المستقلة في جميع انحاء بولندا ورد الاتحاد السوفيتي السابق علي هذه التطورات بحشد قواته علي الحدود المشتركة بين البلدين في تهديد مباشر باجتياح بولندا كما فعل في السابق مع تشيكوسلوفاكيا والمجر‏,‏ وبعد ذلك بشهور تم تعيين فوجيتش ياروزلسكي كرئيس للوزراء‏,‏ وفي أكتوبر‏1981‏ تولي منصب سكرتير عام الحزب الشيوعي‏,‏ وكان اول الاجراءات التي اتخذها ياروزلسكي إعلان حالة الاحكام العرفية واعتقال قادة حركة تضامن وعشرات المعارضين واستمرت حالة الاضطراب هذه بين صعود وهبوط حتي اجتاحت بولندا مرة اخري موجة من الاضرابات مع مطلع عام‏1988,‏ وفي أغسطس‏1988‏ بدأت الحكومة لأول مرة مفاوضات مباشرة مع حركة تضامن بقيادة فاونسا‏,‏ وأسفرت مفاوضات المائدة المستديرة في أبريل‏1989‏ عن السماح بعقد أول انتخابات في بولندا لايحتكر فيها الحزب الشيوعي وحده تقديم المرشحين للبرلمان‏,‏ وسمح النظام حينذاك بالتنافس علي ثلث مقاعد مجلس النواب فقط‏,‏ وبرغم هذه النسبة المحدودة من المقاعد فلقد تمكنت حركة تضامن من اكتساحها كلها‏,‏ ولم يمض سوي أربعة أشهر حتي طلب ياروزلسكي من تادوسز مازوفزسكي احد قادة حركة تضامن تشكيل الوزارة لتكون لبولندا لاول مرة منذ مايزيد علي أربعين عاما حكومة لايقودها الشيوعيون‏,‏ وفي ديسمبر‏1989‏ أقر البرلمان البولندي تبني سياسة اقتصاد سوق‏,‏ كما تم الغاء المواد في الدستور التي تشير الي الدور القيادي للحزب الشيوعي‏,‏ وفي يناير‏1990‏ قام الحزب الشيوعي البولندي بحل نفسه وتغيير إسمه الي حزب الديمقراطية الاجتماعية لجمهورية بولندا‏,‏ وتم عقد أول انتخابات محلية حرة في مايو‏1990,‏ وفي نهاية العام نفسه تم انتخاب فاونسا رئيسا لبولندا ليصبح أول رئيس يتم تعيينه عن طريق الانتخاب الحر‏,‏ وذلك لفترة مدتها خمس سنوات يتم تجديدها مرة واحدة‏.‏

وفي عام‏1993‏ جرت الانتخابات البرلمانية الثانية وفاز حزب التحالف الديمقراطي اليساري الذي يضم شيوعيين سابقين وقوي مختلفة تتبني فكرة العدالة الاجتماعية بأعلي نسبة من الأصوات‏,‏ وقام حزب التحالف الديمقراطي اليساري بتشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الديمقراطية الاجتماعية‏(‏ الشيوعي السابق‏)‏ استمرت حتي عام‏1997‏ موعد الانتخابات البرلمانية الجديدة التي تتم كل أربع سنوات‏.‏
ولكن المفاجأة الحقيقية في الحياة السياسية البولندية كانت عام‏1995‏ عندما تمكن زعيم حزب تحالف اليسار الديمقراطي الكسندر كفاشينفسكي من هزيمة ليخ فاونسا البطل الاسطوري لحركة التضامن في الانتخابات الرئاسية بفارق ضئيل بلغ نحو ثلاثة في المائة‏,‏ وفي انتخابات عام‏2000‏ الرئاسية تمكن كفاشينفسكي من الفوز بفترة رئاسية ثانية بينما تدهورت تماما شعبية فاونسا ولم يتكمن من الحصول سوي علي نسبة ثلاثة في المائة من الاصوات‏,‏ مما أدي إلي اعتزاله الحياة السياسية‏.‏

وبينما تمكن كفاشينفسكي من الفوز بمنصب الرئاسة في‏1995‏ فان حزب تحالف اليسار الذي كان يتزعمه والاحزاب اليسارية الاخري لم تتمكن من الفوز بالاغلبية المطلقة في انتخابات عام‏1997.‏
وتمكن تحالف من الاحزاب ذات التوجه اليميني من تشكيل الحكومة بقيادة حزب تحالف الحركة الانتخابية لتضامن‏(‏ الذي تعود أصول معظم أعضائه إلي حركة تضامن‏)‏ بزعامة رئيس الوزراء الحالي يجي بوزيك‏.‏

والآن يبدو زعيم حزب تحالف اليسار الديمقراطي ليشيك ميللر شبه واثق بفوز حزبه في الانتخابات المقبلة‏,‏ وكذلك تنبيء جميع استطلاعات الرأي في بولندا‏,‏ مما يعني انه سيكون رئيس وزراء البلاد المقبل‏,‏ ووفقا لما قاله احد المحللين السياسيين البولنديين للأهرام فإن شخصية رئيس الوزراء المقبل أو الحزب الذي يتولي السلطة لن تعني اي تغيرات في السياسة الخارجية لبلاده‏,‏ لأن الكل متفق علي أهمية العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تشير جميع استطلاعات الرأي هنا إلي أنها الدولة الاكثر شعبية لدي البولنديين‏.‏ وكذلك عضوية حلف الناتو التي نالتها وارسو عام‏1999‏ وأخيرا الاتحاد الأوروبي‏,‏ ويري المحللون هنا أن الفوز المتوقع لحزب التحالف اليساري في الانتخابات البرلمانية المقبلة ليس بعيدا عن تلك الأهداف الخارجية‏.‏
فالاحزاب الديمقراطية اليسارية هي الغالبة الان في معظم الدول الأوروبية مثلما هو الحال في بريطانيا وفرنسا وألمانيا‏,‏ وعلي هذا الاساس فان نجاح حزب التحالف اليساري‏,‏ وفقا لما يقوله زعيم الحزب ميللر‏,‏ سيجعله أكثر قدرة علي التفاهم مع شركائه الأوروبيين من زجل نيل عضوية الاتحاد الأوروبي عام‏2004‏ تحديدا والذي سيشهد الانتخابات من أجل عضوية البرلمان الأوروبي‏,‏ وينفي ميللر ان تكون عودة حزبه للسلطة معناها التراجع عن الاصلاحات الاقتصادية او سيطرة اليساريين المتشددين علي الحكم‏,‏ ويري ان استطلاعات الرأي التي تفيد احتمال فوزه بنسبة تزيد علي‏40%‏ من الأصوات تؤكد التوجه الليبرالي ـ الوسطي لحزبه‏,‏ ويقول ميللر انه لم يعد يوجد في بولندا حزب يمثل مصالح طبقة بعينها فيما عدا حزب الفلاحين البولندي‏,‏ أما نحن في حزب تحالف اليسار فإننا نعمل علي تناغم مصالح جميع الطبقات الاجتماعية والاتفاق علي مانري فيه مصلحة للدولة ونموها الاقتصادي بدلا من العمل علي تأجيج الصراع والاعتماد علي طبقة اجتماعية بعينها‏.‏

خريطة أوروبية سياسية جديدة
وهناك اجماع بين النخبة السياسية البولندية ـ وهي في الواقع نخبة متعددة الاتجاهات ـ علي هدفي عضوية الناتو وعضوية الاتحاد الأوروبي‏,‏ ومثل هذا التوافق السياسي يجد مبرراته في التكيف مع الحقائق الجديدة التي بدأت في التبلور منذ مطلع التسعينيات من جهة‏,‏ وتأمين ضمانات للأمن الوطني من جهة ثانية‏,‏ وتأكيد القطيعة مع مجمل المرحلة التاريخية السابقة من جهة ثالثة‏,‏ لاسيما مايتعلق منها بالعلاقة المتوترة مع ألمانيا‏.‏
ففي‏1994‏ أصبحت بولندا عضوا مشاركا في الاتحاد الأوروبي وذراعه الدفاعية اتحاد غرب أوروبا‏,‏ وفي‏1996‏ حصلت بولندا علي العضوية الكاملة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية‏OECD‏ في نوفمبر‏1996,‏ وتقدمت بوثائقها من أجل الحصول علي العضوية الكاملة‏,‏ وهي تجاهد الأن من أجل هذه العضوية بصورة مبكرة‏.‏
لقد أدت التحولات في‏1989‏ إلي تغيير الخريطة السياسية في وسط أوروبا‏,‏ حيث صار علي بولندا أن تقيم علاقات مع سبع دول جديدة أصبحت تحيط بها‏,‏ منها أوكرانيا وأستونيا وليتوانيا‏,‏ وأن توقع معها معاهدات للصداقة والتعاون وحسن الجوار وتثبيت الحدود وإنهاء أية نزاعات بشأنها‏,‏ وذلك كبديل للعلاقات والتي كانت تربط بين بولندا وهذه الدول تحت مظلة حلف وارسو الذي تم حله مطلع التسعينيات‏,‏ وقد سعي البولنديون لتدعيم علاقاتهم بصورة قوية مع ليتوانيا وأوكرانيا بدرجة أكبر‏,‏ من أجل جذب هاتين الدولتين إلي الغرب‏.‏

عضوية الناتو
كما يعد انضمام بولندا في مارس‏1999‏ خطوة رئيسية في التكامل مع هذا الحلف والمؤسسات الأوروبية الغربية الدفاعية والاقتصادية والسياسية‏,‏ وهو تكامل يتطلب إعادة بناء وتحديث القدرات العسكرية البولندية‏,‏ وتغييرا في العقيدة العسكرية‏,‏ والتي أصبحت الأن تعكس العقيدة الدفاعية نفسها لأعضاء الناتو‏.‏
وقد قامت بولندا قبل الحصول علي العضوية الكاملة من الدول المشاركة بنشاط كبير في برنامج المشاركة من أجل السلام‏,‏ وهو البرنامج الذي خصص من أجل تكثيف الحوار بين بولندا والدول المرشحة الأخري مع أعضاء الناتو‏,‏ وكانت بولندا قد دعيت في المرحلة الأولي لتوسيع الحلف في قمة الناتو التي عقدت في مدريد يوليو‏1997.‏ وقد لعبت الولايات المتحدة دورا كبيرا في تسهيل عضوية بولندا في الناتو‏,‏ ويرجع ذلك في المقام الأول إلي مايمثله انضمام بولندا ـ التي كانت مقرا لحلف وارسو السابق ـ من معني التغيير الكامل والجذري لطبيعة العلاقات الدولية في وسط أوروبا وتجسيدا للحقائق الجديدة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق‏,‏ يضاف إلي ذلك عدة أسباب أخري كموقع بولندا الجغرافي‏,‏ ودور حركتها الشعبية التي قادتها حركة تضامن في إسقاط النظام الشيوعي في وارسو عام‏1989,‏ والذي كان بمثابة المقدمة لإسقاط باقي النظم الشيوعية في بلدان أوروبا الشرقية سابقا‏,‏ وأيضا تأكيد للدور الذي يمكن أن تقوم به بولندا في ظل نظامها الديمقراطي من أجل تثبيت الأمن الأوروبي بصفة عامة‏,‏ وأمن الغرب بصفة خاصة‏,‏ وكذلك لما يتمتع به جيشها من إمكانات عسكرية قوية‏.‏

وبالرغم من الخطوات المهمة التي طبقتها بولندا لتحديث جيشها‏,‏ فمازالت الدول الأعضاء الأخري في الحلف لا تعتبر بولندا عضوا كامل المسئولية‏,‏ حيث لايزال علي بولندا اتخاذ المزيد من الخطوات‏,‏ وهو ما حاولت الحكومة الحالية القيام به من خلال وضع خطة تقوم علي عدة مراحل‏,‏ لتحديث الجيش البولندي والوصول به إلي المعايير المطبقة في الناتو‏,‏ وتستمر الخطة سته سنوات‏,‏ ومن المخطط أنه بحلول‏2003‏ يتم تحديث نصف الجيش وفقا لمعايير الناتو‏,‏ وهو مايعني تخفيض عدد الجيش إلي حوالي‏150‏ ألف جندي فقط‏,‏ وهو مايعني تخفيض مايقرب من‏50‏ ألف جندي من حجم الجيش البولندي حاليا الذي يصل إلي‏198.5‏ ألف جندي‏,‏ منهم‏138,5‏ ألف جندي في الجيش‏,‏ و‏43‏ ألف جندي في القوات الجوية‏,‏ و‏16.5‏ ألف جندي في القوات البحرية‏.‏
وتفترض الخطة أيضا أنه مع نهاية العام‏2003‏ سيكون نصف الجيش من الجنود المحترفين المتعاقدين مع الجيش‏,‏ أما النصف الآخر فمن الاحتياط‏,‏ وأن يتم تخفيض فترة الخدمة الإلزامية إلي‏9‏ أشهر فقط‏,‏ ونظرا لأن الجيش البولندي كان يعتمد في السابق علي نظم الأسلحة السوفيتية‏,‏ وهو ما لا يتوافق مع نظم الأسلحة المعمول بها في الحلف‏,‏ فمن المقرر تحديث نظم الأسلحة وتبادل المعلومات وامتلاك طائرات قتالية حديثة‏,‏ وتحديث نظم الاتصال العسكرية وشراء طائرات هيلوكوبتر هجومية جديدة‏.‏

ويقدم الحلفاء عدة أنواع من الطائرات القتالية الحديثة‏,‏ فهناك طائرات أف‏16‏ وأف‏18‏ الأمريكية‏,‏ وطائرة ميراج الفرنسية‏2000,‏ والطائرة جريبون السويدية البريطانية المشتركة من الجيل الرابع‏,‏ وسوف تتخذ بولندا قرارها الخاص بأي أنواع الطائرات التي سوف تحدث بها سلاح الطيران الخاص بها في شهر يونيو المقبل‏,‏ إن كان هناك احتمال كبير في أن تحصل الولايات المتحدة علي هذه الصفقة‏,‏ وكان قد تم اختيار طائرات النقل الأسبانية‏CASA‏ دون الدخول في مناقصة‏,‏ وتم أيضا شراء نظم صواريخ مدفعية للبحرية وناقلات جنود‏.‏
ورغم جهد الحكومة البولندية في هذا الصدد‏,‏ فإن الدول الأعضاء في الحلف تري أن جهودها ليست كافية‏,‏ فالأموال المخصصة لتحديث الجيش محدودة مقارنة بحجم التحديث وبرامج شراء الأسلحة الضرورية‏,‏ وهو ما سيؤثر علي الإدماج الأسرع لبولندا في هياكل ومؤسسات الحلف المختلفة‏,‏ حيث كان من المقرر أن تخصص بولندا نسبة‏2.3%‏ من الناتج المحلي الإجمالي سنويا لشئون الدفاع وتحديث الجيش‏,‏ لكن بسبب الصعوبات الاقتصادية انخفضت هذه النسبة إلي‏1.95%,‏ وهو ما يثير قلق الاعضاء الآخرين في الناتو‏,‏ لاسيما وأن جزءا كبيرا من هذه الموازنة المخصصة للدفاع يذهب إلي تعويض الأفراد الذين سيتم الاستغناء عنهم‏,‏ وليس لشراء الأسلحة والمعدات الحديثة‏.‏

ومن وجهة نظر بولندا فإن عضوية الناتو‏,‏ وإن حققت هدفا استراتيجيا وأمنيا عزيزا‏,‏ فإنها لم تخل من مشكلات‏,‏ فتخفيض عدد الجيش يثير الكثير من المشاكل الاجتماعية‏,‏ إذ يتطلب البحث عن وظائف بديلة لما يقرب من‏50‏ ألف جندي وضابط سيتم الاستغناء عن خدماتهم‏,‏ وهي مهمة ليست يسيرة نظرا لحالة البطالة التي تشهدها البلاد في الوقت الراهن والتي تصل إلي حوالي‏16%.‏
وهناك مشكلة أخري تتعلق بموقع الصناعات العسكرية البولندية‏,‏ خاصة في ضوء التوجه الراهن بتخصيصها‏,‏ وهو ما سيؤدي إلي فقدان الصلة الوثيقة التي كانت قائمة بين الصناعات العسكرية والجيش البولندي‏,‏ وسيؤدي أيضا إلي تحفيض أعداد العمالة الفنية في هذه المصانع‏,‏ مما سيؤثر سلبا علي المدن والمناطق السكنية التي تحيط بهذه المصانع العسكرية‏,‏ والتي تقوم مظاهر الحياة فيها بالأساس علي نشاط هذه المصانع‏.‏

ويثير البولنديون مشكلة أخري تتعلق بعدم مشاركة الضباط البولنديين في وظائف الناتو المختلفة‏,‏ فبعد مرور عامين‏,‏ لم يشارك في هذه الوظائف سوي‏200‏ بولندي فقط‏,‏ من أصل‏2000‏ ضابط كان مقررا إلحاقهم في وظائف الحلف‏,‏ وهو مايرد عليه مسئولو الحلف بأن تلك المشاركة الضعيفة راجعة إلي عدم الإلمام باللغات الأجنبية‏,‏ وان الضباط البولنديين أنفسهم الذين يرفضون وظائف الناتو‏,‏ لأنهم يخشون أن يؤدي ذلك إلي التأثير سلبا علي تطورهم الوظيفي داخل الجيش البولندي نفسه‏.‏


  • التعليقات
  • فيس بوك

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع




اعلانات

النشرة البريدية

اذا كنت تريد ان تصلك اخبار الموقع والاضطلاع بكل ما هو جديد من فضلك قم بادخال بريدك الالكترونى
 
  
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
test
  

اعلانات

تصويت

هل تؤيد ترشح ضباط القوات المسلحة للرئاسة ؟
نعم
لا
لا اهتم