الإثنين,28 مايو 2012 - 08:41 ص
: 19963    


فتح العراق في أثـنــاء حـروب الردة طــارد المـثنــي بن حـارثـة - أحد قـادة المـســلمـين - المـرتدين إلى الشمـال، عـلى السـاحـل الغربـي للخـليج العـربــي، فــلمــا وصــل إلى حـدود العـراق تـكــاثرت عـليه قوات الفـرس، بـعد أن رأوا فـشـل عمـلائهم من المرتدين في القضـاء عـلى الإســلام فــألقـوا بـثقــلهـم في المـعــارك ضد المسـلمين

fiogf49gjkf0d
ولمـا رأى المـثنــي أنـه غير قـادر بمن معه عـلى مواجهـة القوات الفـارسيـة، أرســل إلى الخــليـفــة يشرح له الموقف ، ويطـلب منه المدد، فـأدرك الخــليـفــة خـطورة المـوقـف، ورأى أن يـردع الفـرس ويـرد عدوانهم، فرماهم بخالد بن الوليد أعظم قواده، و أردفه بعياض بن غنم

وفي المـحرم مـن العــام الثــانــي عـشر من الهجرة تحرك خـالد بن الوليد من اليمـامـة، وكـان لا يزال بهـا، بعد أن قضـى عـلى فتنـة مـسيــلمــة الكـذاب، وتوجه إلى العراق. حيث خـاض سـلسـلة من المـعــارك ضـد الفـرس في خـلال عدة شهور، في ذات السـلاسـل و المـذار، و الولجــة، و أليـس، وهـذه أسـمــاء الأمــاكـن التـي دارت فـيهــا الحـروب، وكــان النـصر حـليفه فيهـا، ثم توَّج انتصـاراته بـفتـح الحـيرة عــاصـمــة العـراق في ذلك الوقـت،واستقر بهـا في شـهر ربـيع الأول مـن العــام نـفسـه، ثـم فـتح الأنبـار وعين التـمر إلى الشـمــال مـن الحيرة، ثم جـاءته أوامر من أبـي بكر أن يـعود إلى الحـيرة ويـستـقر بـهــا إلى أن تــأتـيه أوامر أخرى

وخــلاصــة القول أنه في خـلال بضعـة أشهر نجح خـالد في فتح أكـثر مـن نـصف العـراق،وصــالح أهــله عــلى دفـع الجـزيــة، ولم يـجبـر أحـدًا عــلى الدخـول في الإســلام. وبعد أن رحـل خـالد بن الوليـد مـن العـراق إلى الشـــام؛ ليـتولى قـيـــادة الجـيوش في اليـرمـوك؛ تـنمَّر الفـرس بـالمثنـي بن حـارثـة خـليفـة خـالد عـلى قـيــادة الجـيش في العراق وبدءوا في الضغط عـليه، فطـلب مددًا مـن أبــي بـكر، الذى كــان مـشغـولا بـحرب الروم. فـلمـا تـأخر رد الصـديـق أبــي بـكر عــلى المـثنــي جــاء بـنفـسه ليعرف سبب ذلك، فـوجـد الخــليـفــة عــلى فـراش المرض، فـلم يستطع أن يكـلمه، ولمــا عــلم بـذلك الخــليـفــة أدرك أن المثنـي لم يـأت إلا لضرورة، فـكــان أخـر كــلامـه لعـمر بـن الخـطــاب أن أوصــاه بـتجـهيز جيش، يـرســله مـع المـثنــي إلى العـراق، لصـد عـدوان الفـرس، فعمـل عـمر بـوصـيـــة أبـــي بـكر، وأرســـل جـيشًا عــلى الفـور إلى العـراق بـقيــادة أبــي عـبيـد بـن مـسعـود الثقفي وفي شهر شـعبــان مـن سـنــة 13هــ خــاض أبو عبيد بن مسعود معركـة ضد الفـرس سـميـت بـموقـعــة الجـسر، لأن المـسـلمين أقـاموا جسرًا عـلى نـهر الفـرات لعـبور قـواتـهم البــالغــة تـسعــة آلاف جـندي، وكـان عـبورهـم النـهر خـطــأ عـسكـريًا جـسيـمًا وقـع فيه أبو عبيد، ولم يـستـمع إلى نصيحـة قـادة جيشه ومنهم المثنـي بن حـارثـة، الذين نــبهـوه إلى خـطورة ذلك ، وأن مـوقـف المـســـلمـين غـربـــي النـهر أفــضــــل وضـع لهـم، وليـتركـوا قـوات الفـرس تـعبـر إليـهم، فـــإذا انـتصـروا كــان عـبور النـهر إلى الشـرق أمـرًا سـهــلا، وإذا انـهزموا كـــــانــت الصــحـراء وراءهــم يـتراجـعون فـيهـــا، ليـعيـدوا تـرتـيب أوضــاعـهم، لكـن أبــا عـبيـد لم يـستـجب لهـم، فـحــلت الهـزيـمـة بـالمسـلمين عـلى يد القـائد الفـارسـي بهمن جـاذويه، و قُتـل أبو عـبيـد نـفسـه، واسـتشـهد أربـعــة آلاف مـســلم. بـذل المـثنــي بن حــارثــة جـهدًا كبيرًا في تـأمين عبور من بقـي من قوات المسـلمين إلى النــاحـيــة الأخـرى، وأدرك أنـه لابد من خوض معركـة أخرى مع الفـرس، حـتــي لا تــؤثر الهزيمـة في معنويـات المسـلمين، وبخـاصـة أنـهــا كــانـت أول مرة يهزمون فيهـا في هذه الجبهـة منذ أن بدأت الفـتوحــات. اسـتدرج المـثنــي بـن حـارثـة قوات الفرس للعبور إلى غـرب النـهر، فـعبـروا إليـه مـدفـوعـين بنشوة النصر السـابق، وظنوا أن تـحقـيق نـصر آخـر سـيكون أمرًا سهـلا، لكن المثنـي فـاجـأهم بـعد أن استثـار حميـة العرب القـاطنين في المنطقـة، وأوقع بـالفرس هـزيـمــة كـبيـرة، عــلى حــافــة نـهر يُسـمـي البويب الذى سميت المـعركـــة بـــاسـمه وعـــلى الرغـم مـن هـذا النـصر الذى أعـــاد بـه المـثنــي الثـقــة إلى قـواتـه، فــإنه أدرك بعد طول تجربـة أنه لن يـستـطيـع بـمن مـعه مـن قـوات أن يـواجـه الفـرس الذين ألقوا بثقـلهم كــله في المـيدان، فـتراجـع إلى الخـلف، ليكون بمـأمن من هجمـات الفـرس، وأرســل إلى عـمر يـخبـره بحقيقـة الموقف. لمـا وصـلت إلى عـمر بـن الخـطــاب تـقــاريـر المثنـي عن الوضع في جبهـة

العـراق عـزم عــلى الخـروج بنفسه عـلى رأس جيش كبير، لينسـي الفـرس وســاوس الشـيطــان كمـا أنسـي خـالد بن الوليد الروم تـلك الوســــاوس، لكـن الصـحـــابـــة لم يـوافـقوه عـــلى رأيـه، ورأوا أن الأفـضـل أن يـبقــي هـو في المـدينـة يدير أمور الدولة، ويشرف عــلى تـجهـيز الجـيوش، ويـختــار واحـدًا لقـيــادة الحـرب ضـد الفرس، فـقبــل نـصيـحتهم، وقـال لهم: أشيروا عـلى، فـأشـاروا عـليه بسعد بـن أبــي وقــاص، وقــالوا عـنه : هـو الأسد في عرينه، فـاستدعـي ســعدًا وأمَّره عـــلى الجـيش، فـــاتـجه بـه سـعد إلى العـراق حـيث عـسكـر في القـادسيـة. وقبـل نشوب المعركـة أرسـل سعد وفـدًا إلى بــلاط فــارس، ليعرض الإسـلام عـلى يزدجرد الثـالث أخر مـلوكهم، فـإذا قبـله فسيتركونه مـلكًا عـلى بـلاده، كمـا ترك رسول الله صــلى الله عــليـه وســلم بــاذان مــلكًا عــلى اليـمن، وإذا رفـض الدخـول في الإســلام، فــلن يـكرهه عـليه أحد، ولكن لابد من دفـع الجـزيــة دليــلا عــلى عـدم المـقـاومـة، فـإذا امتنع عن دفعهـا، حـــــاربـوه ، لأن رفـضه دفـع الجـزيـــة يـعنـــي عـزمـه عـــلى حـرب المسلمين، ومنعهم بالقوة من تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس

سـمع يـزدجـرد هـذا الكـلام ، فـأخذه العجب، وعـلته الدهشـة؛ لأنه لم يـتعـود سـمــاع مـثــل هذا الكـلام من هـؤلاء النـاس، فخـاطب رئيس الوفـد قــائـلا: إنـي لا أعـلم أمـة كـانت أشقـي، ولا أقـل عددًا، ولا أسـوأ ذات بـين مـنكـم، قـد كنـا نوكـل بكم قرى الضواحـي -الحدود- فـيكـفونـنــاكـم، لا تـغزون فــارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم.. وإن كـــان الجـهد - الجـوع - دعـــاكـم فـرضـنــا لكـم قـوتًا إلى خـصبـكم، و أكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكًا يرفُق بكم

فـقــام زعـيم الوفـد ورد عــلى المــلك الذى كـان لا يزال يتحدث بروح السـيــادة، ومنطق الاستعـلاء، قـائـلا: إن مـا قـلته عنـا صحيح قبـل بـعث النـبــي صــلى الله عــليـه وسـلم، الذى قذف الله في قـلوبنـا التـصديـق له واتـبــاعـه، فـصــار فيمـا بيننـا وبين رب العـالمين، فمـا قــال لنـا فهو قول الله، ومـا أمرنـا فهو أمر الله.. وقـال: من تـابعكم عــلى هـذا فــله مـالكم وعـليه مـا عـليكم، ومن أبـي فـاعرضوا عـليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم،ومن أبى فقاتلوه

رفـض المــلك هذا العرض في كبريـاء وصـلف، ثقـة منه بقدرة جيوشه بـقيــادة رسـتم عـلى سحق هـؤلاء العرب، وعـاد الوفد إلى سعد بـن أبــي وقــاص وقـصوا عــليـه مــا حـدث ، فـاستعد هو للمعركـة الحــاسـمــة. وفي القــادسـيــة دارت رحــي الحرب بين الفريقين، واسـتمـرت ثــلاثـة أيـام ونصف اليوم الرابع، وأسفرت عن نصر حـاسم للمـســلمـين، وهـزيـمــة مـنكـرة للفـرس، وقـتــل قــائـدهـم رستم، وتـشتـيت مـن نـجــا مـنهـم مـن القـتـل وتُعد معركـة القـادسيـة من

المعـارك الفـاصـلة في التـاريخ؛ لأنهـا حسمت أمر العراق العربـي نـهــائـيــا، وأخـرجـته مـن السـيطـرة الفــارسـيــة التـي دامت قرونًا، وأعــادتـه إلى أهــله العرب المسـلمين. انفتح الطريق أمـام المسـلمين بـعد انـتصــارهـم في القــادسيـة إلى المدائن عـاصمـة الفرس، فـعبـر سـعد نـهر دجــلة من أضيق مكـان فيه بنصيحـة سـلمـان الفــارســي، ودخـل المدائن؛ ليجد المـلك الفـارسـي قد فرَّ منهـا، وكــان قـبــل أيــام قــليــلة يـهدد المـســلمـين ويـتوعـدهم من قصره الأبـيض، مـقر مــلك الأكــاسـرة، الذى كــان آيــة مـن آيــات الفخـامـة والبـهــاء. وفي ذلك القـصر صــلى سـعد ابـن أبـي وقـاص صـلاة الشــكر لله عـــلى هـذا الفـتح العـظيـم وتـــلا في خـشوع قـول الله تـعــالى: كـم تـركـوا مـن جـنـات وعيون وزروع ومقـام كريم ونعمـة كــانـوا فـيهــا فــاكـهيـن كـذلك وأورثنـاهـا قومًا آخرين فمـا بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين. الدخان: 25 -29

أرســل سـعد إلى عـمر بـن الخطـاب رسولا يبشره بـالنصر وبمـا حـازوه من غنـائم، ويطـلب منه السمـاح لهم بمواصـلة الفتح في بـلاد فــــارس، لكـن عـمر رفـض ذلك، وقـــال له: وددت لو أن بـينـنـــا وبـينـهم سـدًا مـن نــار، لا يـصــلون إلينـا ولا نصـل إليهم، حسبنـا من الأرض السـواد - أى أرض العـراق- إنـي آثرت سـلامـة المسـلمين عـلى الأنـفــال. اعـتقـد عـمر بـن الخـطــاب أن الفـرس سـيجـنحـون إلى الســلام بـعد هـزيـمتـهم في القــادسـيــة، واسـترداد المـســلمـين العـراق وهــي أرض عـربـيــة، لكـن الحوادث كثيرًا مـاتكون أقوى مـن الرجــال، وتـدفـعهـم دفـعًا إلى تـعديــل سيـاسـاتهم، فقد وردت الأنـبــاء إلى عـمر أن الفـرس التـفوا حـول مــلكـهم الذى هـرب مـن المـدائـن، واحـتشـدوا في جـموع هـائـلة في نهـاوند تصـل إلى نـحو مــائـتــي ألف جـندى بقيـادة الفيرزان. وكـانت سيـاسـة عـمر بـن الخـطــاب أن يـقف بــالفـتوحــات الإســلامـيــة عـند حدود العـراق والشــام، ولايـتعـداهـا، حيث قبـائـل العرب التـي نزحت مـن شـبه الجـزيـرة العـربـيــة وأقــامـت هنـاك، أمـا مـا وراء ذلك من أرض الفـرس والروم فــلم يـكن للمـســلمـين مـطمع في غزوه وفتحه، ولكـن ليـس كـــل مـــا يـتمـنـــاه المـرء يـدركـه، فـقد حـمــلت حـوادث الفـتوحــات وتـطوراتـهــا عـمر بـن الخطـاب عـلى تعديـل سيـاسته تـجـــاه الفـرس والروم. ولمـــا وصــلت أخـبــار اسـتعـداد الفـرس جـمع عـمر كـبــار الصـحــابــة واسـتشــارهـم في كـيفيـة مواجهـة هذا المـوقـف، فــأشــاروا عـليه بتجهيز جيش لردع الفرس قبـل أن ينقضوا عــلى المـسـلمين في بـلادهم، فعمـل بمشورتهم، وجهز جيشًا قوامه نـحو أربـعيـن ألف مـجــاهـد تحت قيـادة النعمـان بن مقرن، و دارت مـعركـة نهـاوند، وانتهت بنصر عظيم للمسـلمين، وهزيمـة سـاحقـة للفـرس، وقـد سـمــي المـؤرخون المسـلمون هذ النصر فتح الفتوح، لأن الفرس قد تفرقت كلمتهم، وانفرط عقد دولتهم بهذا النصر







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 69036


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 41093


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 38898


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 38042


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 37712


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 35586


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 35539


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 35066


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 34283


تعريف التاجر - عدد القراءات : 31739


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى