نشأة الحدود المصرية السودانية في العصور الحديثة والرؤية المصرية لها

07-07-2012 09:32 PM - عدد القراءات : 22126
كتب فريدة البنداري farida852000@yahoo.com
الاتهام بالخيانة للقضية الوطنية كان بعضا مما يمكن أن يوجه لأي مصري يتحدث عن حدود بين مصر والسودان قبل أول يناير 1956 وهذا لا يمنع من الإقرار بحقيقة أن هذه الحدود كانت موجودة ومنذ زمن طويل، ولها قصة نظن أنه جاء الوقت لإزاحة الستار عنها..

fiogf49gjkf0d

أولا : تطور ترسيم الحدود

-        تصور غير صحيح ذلك السائد بين جموع الباحثين في شؤون العلاقات المصرية السودانية أن اتفاقية 19 يناير عام 1899 بين مصر وإنجلترا هي التي وضعت خط عرض 22° شمالا كحدود بين البلدين، فقبل ذلك كان هناك خط آخر لتلك الحدود بفارق خط عرض كامل، أو على وجه التحديد 55 من 60 من خط العرض، ولصالح مصر.

-        فقبل ذلك بأكثر من 50 عاماً وعلى وجه التحديد يوم 13 فبراير عام 1841 ظهرت على الخرائط أو حدود بين البلدين، وهي حدود ارتبطت بالتسوية الشهيرة التي تمت بين القاهرة واستانبول بعد الحروب التي استعرت بين الجانبين بامتداد عقد الثلاثينات.

-        تمت التسوية على مرحلتين.. مؤتمر لندن عام 1840 الذي وضعت فيه الدول الكبرى في ذلك العمر خطوطها الأساسية، وفرمان 13 فبراير 1841 الذي أصدره الباب العالي ليجسد قرارات هذا المؤتمر.

جاء في هذا الفرمان فيما يخص ولاية السودان القول بأن "سدتنا الملوكية قد ثبتتكم على ولاية مصر بطريق التوارث بشروط معلومة وحدود معينة وقد قلدتكم فضلاً على ولاية مصر ولاية مقاطعات النوبة والدارفور وكردفان وسنار وجميع توابعها وملحقاتها الخارجة عن (حدود مصر) ولكن بغير حق التوارث فبقوة الاختيار والحكمة التي امتزتم بها تقومون بإدارة هذه المقاطعات وإدارة شؤونها بما يوافق عدالتنا وتوفير الأسباب الآيلة لسعادتلو الأهلين وترسل في كل سنة قائمة إلى بابنا العالي حاوية بيان الإيرادات السنوية جميعها".

الرؤية المصرية :

 الوثائق

-        فرمان 1841الشهير لم يشر إلى حدود مصرية ـ سودانية، فلم يكن جنوب الوادي حتى ذلك الوقت قد اطلق عليه السودان، وإنما كان ينظر إليه باعتباره مقاطعات ملحقة بمصر، فإنه أشار إلى حدود الأخيرة، أو ما كان يعرف وقتئذ بمصر الأصلية Egypt Proper، والأكثر من ذلك أن الباب العالي ألحق بالفرمان خريطة تبين هذه الحدود،

-        المفاجأة الأولى جاءت بعد العثور على الخريطة المرفقة بالفرمان الشهير وهو العثور الذي تطلب وقتاً..، كانت خلال الازمة الشهيرة التي نشبت مع الجانب العثماني عام 1906، والخاصة بتعيين حدود مصر الشرقية ، والمعروفة بأزمة طابا، ولم تعثر عليها تلك السلطات ضمن محفوظاتها، وعندما طلبت من حكومة استانبول ان تبرز نسختها تقاعست عن ذلك، الأمر الذي دعا الجانب المصري إلى الاعتقاد أن الخريطة المذكورة تخدم وجهة نظره في تلك المفاوضات.

-        في عام 1952 على وجه التحديد، وخلال المفاوضات المصرية الإيطالية لتعيين الحدود الغربية بين مصر وليبيا طلبت حكومة  القاهرة من حكومة أنقرة إبراز الخريطة، ولم تتأخر حكومة الجمهورية التركية كثيراً في تقديمها إلى الحكومة المصرية، فلم يكن لها مصلحة في هذه المناسبة في إخفائها خاصة بعد أن تخلى الأتراك عن أية ادعاءات لهم في العالم العربي في مؤتمر لوزان الذي كان قد انعقد قبل ذلك بنحو عامين.

ومع أن الخريطة قد جاءت إلى القاهرة بمناسبة تعيين الحدود الغربية إلا أنها كانت تحمل المفاجأة فيما يخص الحدود الجنوبية.. الحدود المصرية السودانية، خاصة في نقطة بدايتها الشرقية عند البحر الاحمر .

-        المفاجأة هنا وربما استشعرها المسؤولون في القاهرة عام 1952 رغم انهماكهم في مفاوضات الحدود الغربية، أن خط حدود مصر الجنوبية الذي كان قد تحدد في اتفاقية 1899 عند خط عرض 22° ششمالاً قد تمت زحزحته بمقتضى هذه الاتفاقية لنحو عرض خط كامل بالخصم من حساب الأراضي المصرية وبالإضافة إلى الأراضي السودانية، ولم تكن خريطة فرمان 1841 هي الوحيدة التي أبرزت هذه الحقيقة، ففي أكثر من مناسبة بعد ذلك أكد المسؤولون هذه الحقيقة، مما قدم المزيد من المفاجآت.

-        المناسبة الأولة كانت في سبتمبر عام 1879 في مذكرة أرسلها غوردن حكمدار عموم السودان إلى المستر فرانك لاسال المعتمد البريطاني في القاهرة وقتئذ عن إيرادات ومصروفات السودان، فقد ألحق بهذه المذكرة خريطة للسودان  ومع أن خط الحدود الشمالية له قد اتخذ نحواً مستقيما على غير النحو الذي كان عليه في الخريطة المرفقة بالفرمان فإن نقطة بدايته على البحر الأحمر استمرت هي هي.. عند خليج راوي جنوب خط 22° شمالاً بنحو خط عرض كامل (المذكرة والخريطة محفوظتان في الكتاب الأزرق الإنجليزي الخاص بمصر عن عام 1879).

-        المناسبة الثانية كانت في يوليو عام 1881 ففي مذكرة أرسلها وزير الحقانية المصري فخري باشا إلى المعتمد الإيطالي في القاهرة السنيور دي مارتينو ضمنها القول بان حدود مصر الأصلية على البحر الأحمر تبدأ عند نفس النقطة.. على خليج راوي عند خط عرض 21.5° شمالاً وألحق بها خريطة تؤكد نفس الحقيقة (الكتاب الأزرق الإنجليزي رقم 15 عن مصر عام 1882).

الوقائع!؟.

في عام 1881 بدأت الثورة المهدية في السودان، وفي العام التالي وقعت مصر في قبضة الاحتلال البريطاني، ولم يمض وقت طويل حتى أخذ المسؤولون عن هذا الاحتلال، في دار المعتمد البريطاني بالقاهرة، وفي دوائر وزارة الخارجية في لندن في التفكير في إخلاء القوات المصرية للسودان، وفي تلك المناسبة طرحت مرة أخرى قضية الحدود المصرية ـ السودانية.

جاء هذا الطرح من خلال محاولة أولئك المسؤولين الإجابة عن السؤال الذي كان لابد وأن يفرض نفسه في هذه المناسبة عن طبيعة الخط الذي يتوجب أن تنسحب إليه القوات المصرية باعتباره يشكل حدود ما يسمى بـ"مصر الأصلية" وتجيب جملة المكاتبات المتبادلة بين السير إيفيلين بيرنج من داره في القاهرة ووزير الخارجية البريطانية، والتي دارت خلال عامي 1883 و1884 على هذا السؤال.

-        أولا :رسالة خاصة من بيرنج إلى جرانفيل في 22 نوفمبر 1883 اقترح فيها إخلا السودان من المصريين على أن ينسحب هؤلاء إلى وادي حلفا.

ونتوقف عند هذه المكاتبة لنسجل ملاحظتين، أولهما أن ذلك المرجز جنوب خط 22° شمالاً، ويقع في نفس الوقت شمال خط الحدود الذي كان قد أقرته الخريطة المرفقة بفرمان 1841، والثانية أنه قبل ضم محمد على للسودان في 1820 فإن القوات المصرية كانت تتخذ من وادي حلفا مركزاً للإنطلاق تجاه سنار التي أصبحت بعد ذلك جزءاً مما أصبح يعرف بالسودان المصري، بمعنى آخر أن حلفا كانت مصرية قبل ظهور السودان الحديث!

-        ثانيا جاء في رسالة أخرى خاصة من بيرنج إلى جرانفيل، ولم يكن أمام نوبار الذي خلف شريف في الوزارة، بعد ان رفض ذلك الأخير السياسة الإنجليزية بإخلاء السودان.. لم يكن أمامه سوى قبول تعهدات السلطة الاحتلالية، بيد انه لم يكن يدري أنه كانت جري وقتذاك معركة بين الجناحين العسكري والسياسي من رجال الاحتلال البريطاني ، فقد راى رجال الجناح السياسي على راسهم السير إيفلين بيرنج المعتمد البريطاني في العاصمة المصرية الرأي على وجوب أن يعسكر الجيش المصري على الحدود الحقيقية في وادي حلفا بغض النظر عن الاعتبارات العسكرية..

دعموا رأيهم هذا بحجتين؛ أولاهما أن الحكومة البريطانية قد تعهدت بالدفاع عن حدود "مصر الأصلية"، وهذه الحدود تبدأ من وادي حلفا، وثانيتهما أن اتخاذ أسوان كنقطة دفاع أولى ضد المهديين يعني السماح لهم بالتوغل في الأراضي المصرية وانتهى الصراع إلى انتصار الجناح السياسي والقرار بان تعسكر القوات المصرية على حدود مصر الأصلية في وادي حلفا.

شهادات تاريخية

وتتوافر شهادات عديدة على "الوجود الدائم" لتلك القوات في هذا المركز الحدودي بين 1884 وعام 1886 حين تقدم الجيش المصري مرة أخرى واحتل المديرية السودانية  المتآخمة للحدود.. مديرية دنقلة.

شهادة "نعوم شقير" صاحب "كتاب تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته" وأهمية الرجل قبل ذلك أنه كان أحد رجال إدارة مخابرات الجيش المصري ، وأنه قد صاحب الجيش المصري خلال عمليات القضاء على الدولة المهدية بين عامي 1896 و1898.

-        في تعريف حلفا جاء قول شقير أنه يقع إلى جانبها "قشلان حصين أقام فيه الجيش المصري أيام الثورة المهدية (محافظاً على الحدود) وبنى فيه اسبتاليا عسكرية وسجناً حربياً".

شهادة بعثة يوسف باشا شهدي، وهي البعثة التي ذهبت إلى الحدود الجنوبية عام 1886 وبقيت لعام كامل في محاولة لعقد سلام مع الدولة المهدية.

-        الأمر الذي صدر لهذه البعثة جاء في نهايته مطالبة شهدي باشا بأن يبلغ أهالي السودان اوامر الخديوي "فاذهبوا بأسرع ما يمكن ولتكن وادي حلفا مقراً لكم".                 الخلاصة

تؤكد كل تلك المعلومات حقيقة مؤداها أن وادي حلفا استمرت قبل عام 1899 سواء على المستوى العسكرى أو على الصعيد السياسي، داخلة ضمن نطاق أراضي "مصر الأصلية"، حتى جاءت الاتفاقية وزحزحت خط الحدود إلى 22° شمالاً لجملة من الأسباب كان منها أن يقع هذا المركز داخل الأراضي السودانية!

وبينما كانت وادي حلفا تمثل أولى نقاط حدود مصر الجنوبية على نهر النيل، فقد كانت حلايب تمثل أولى تلك النقاط على البحر الأحمر، ولها أيام الدولة المهدية أيضاً قصة قدمتها لنا مجموعة من الأخبار في الأهرام.

تناثرت هذه الأخبار بين أبريل 1888 ومايو من العام التالي فقد حدث في الشهر الأول أن أرسل المهديون قوة لاحتلال آبار حلايب، ولم تكن مصر لتعول كثيراً على هذا التصرف لو أنها ارتأت أن تلك الآبار تقع جنوب خطوط حدود "مصر الأصلية" وهو ما لم يحدث.

فمحاولة الاحتلال المهدي قوبلت بإجراء عسكر مصري عاجل حين بعث السردار بقوة اشتركت مع بشير بك شيخ قبيلة العبابدة لطرد الأنصار من المنطقة وتنظيفها منهم على حد تعبير الأهرام.

وإذا كان هذه المبادرة العاجلة تدل على فهم مصري باعتبار حلايب ضمن التراب الوطني فإن الإجراءات التالية التي جاء الأهرام بأخبارها في ثلاثة أخبار متتالية تنم عن مزيد من هذا الفهم..

تضمنت تلك الأخبار التأكيد على تبعية قبائل البشاريين لمصر.. بحربهم للدراويش وبطلب المعونة من حكومة القاهرة، فإنها قدمت كل البراهين القانونية التي أكدت على مصرية هذا الميناء وتلك المنطقة من خلال ممارسة شتى ألوان السيادة عليها..

فالدفاع عنها يقدم البرهان على التمسك بكونها جزءاً من أراضي "مصر الأصلية"، ثم ما أعقب ذلك من الإبقاء على قوة عسكرية فيها لمنع الدراويش من تكرار محاولتهم للإغارة عليها، وما استتبع ذلك من بناء طابية في المدينة، فضلاً عن أخذ الحكومة المصرية على عاتقها رعاية سكان الميناء الذي اكتسب شهرة عريضة بعد ذلك في العلاقات المصرية ـ السودانية.

وإذا كان ثمة ملاحظة أخيرة في هذا الشأن فإن الدراويش ممثلي حكومة الخرطوم عندما قرروا الانسحاب إلى أراضيهم تجنباً للصدام مع القوات المصرية فإن انسحابهم كان لنحو عشرين ميلاً أي ما يزيد عن خمسة وثلاثين كيلومتراً، ونظن أنهم قد وصلوا بذلك إلى "رأس راوي" التي كانت تشكل آنذاك بداية حدود "مصر الأصلية"، أو منطقة قريبة منها!


 

تطلق لفظة السودان في هذا الوفاق على جميع الأراضي الكائنة إلى جنوبي الدرجة الثانية والعشرين من خطوط العرض وهي:

أولاً ـ الأراضي التي لم تخلها قط الجنود المصرية منذ سنة 1882.

ثانياً ـ الأراضي التي كانت تحت إدارة الحكومة المصرية قبل ثورة السودان الأخيرة وفقدت منها وقتياً ثم افتتحتها الآن حكومة جلالة الملكة والحكومة المصرية بالاتحاد.

ثالثاً ـ الأراضي التي قد تفتتحها بالاتحاد الحكومتان المذكورتان من الآن فصاعداً.

كان هذا هو نص المادة الأولى من الوفاق في 19 يناير 1899 "بين حكومة جلالة ملكة الإنجليز وحكومة الجناب العالي خديو مصر بشأن إدارة السودان في المستقبل"، وهي المادة التي أثارت كثيراً من المناقشات التي تتحول أحياناً إلى احتجاجات من هذا الطرف أو ذاك، فهي المادة التي صنعت الحدود المصرية السودانية، وإن كان حتى هذا محل جدل يصل في بعض الأوقات من المعنيين السودانيين إلى درجة التشكيك!