الإثنين,11 يونيو 2012 - 08:35 ص
: 20500    


فضل ليلة القدر نوَّه الله تعالى بشأنها، وسماها ليلة القدر‏:‏ قيل‏:‏ لأنها تقدَّر فيها الآجال والأرزاق وما يكون في السنة من التدابير الإلهية؛ كما قال تعالى{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏}‏[‏سورة الدخان‏:‏ آية 4‏]‏، فسماها الله ليلة القدر من أجل ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ سميت ليلة القدر لأنها ذات قدر وقيمة ومنزلة عند الله سبحانه وتعالى‏.‏

fiogf49gjkf0d
وسماها ليلة مباركة؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ‏}‏ ‏[‏سورة الدخان‏:‏ آية 3‏]‏‏.‏ ونوه الله بشأنها بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ‏} ‏[‏سورة القدر‏:‏ آية 2، 3‏]‏؛ أي‏:‏ العمل في هذه الليلة المباركة يعدل ثواب العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وألف شهر ثلاثة وثمانون عامًا وزيادة؛ فهذا مما يدل على فضل هذه الليلة العظيمة‏.‏
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحراها ويقول صلى الله عليه وسلم""من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‏"‏ ‏[‏رواه البخاري في ‏‏صحيحه‏ ‏(‏2/253‏)‏‏.‏ ‏(‏بدون ذكر‏.‏‏.‏‏.‏ وما تأخر‏) ‏‏]‏‏.‏

وأخبر سبحانه وتعالى أنها تنزل فيها الملائكة والروح، وهذا يدل على عظم شأنها وأهميتها؛ لأن نزول الملائكة لا يكون إلا لأمر عظيم‏.‏ ثم وصفها بقوله‏:‏ ‏{‏سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ‏} ‏[‏سورة القدر‏:‏ آية 5‏]‏، فوصفها بأنها سلام، وهذا يدل على شرفها وخيرها وبركتها، وأن من حرم خيرها؛ فقد حرم الخير الكثير‏.‏

فهذه فضائل عظيمة لهذه الليلة المباركة‏.‏ ولكن الله بحكمته أخفاها في شهر رمضان؛ لأجل أن يجتهد المسلم في كل ليالي رمضان؛ طلبًا لهذه الليلة، فيكثر عمله، ويجمع بين كثرة العمل في سائر ليالي رمضان مع مصادفة ليلة القدر بفضائلها وكرائمها وثوابها، فيكون جمع بين الحسنيين، وهذا من كرم الله سبحانه وتعالى على عباده‏.‏ وبالجملة؛ فهي ليلة عظيمة مباركة، ونعمة من الله سبحانه وتعالى، تمر بالمسلم في شهر رمضان، فإذا وفق باستغلالها واستثمارها في الخير؛ حصل على أجور عظيمة وخيرات كثيرة هو بأمس الحاجة إليها‏.

علامات ليلة القدر
وقد ورد لليلة القدر علامات، أكثرها لا يظهر إلا بعد أن تمضى، مثل: أن تظهر الشمس صبيحتها لا شعاع لها، أو حمراء ضعيفة......إلخ.
ومثل: أنها ليلة مطر وريح، أو أنها ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، إلخ ما ذكره الحافظ في الفتح.

وكل هذه العلامات لا تعطي يقينًا بها، ولا يمكن أن تَطَّرد، لأن ليلة القدر في بلاد مختلفة في مناخها، وفي فصول مختلفة أيضًا، وقد يوجد في بلاد المسلمين بلد لا ينقطع عنه المطر، وآخر يصلي أهله صلاة الاستسقاء مما يعاني من المَحْل، وتختلف البلاد في الحرارة والبرودة، وظهور الشمس وغيابها، وقوة شعاعها، وضعفه، فهيهات أن تتفق العلامات في كل أقطار الدنيا.

ومما بحثه العلماء هنا: هل تعتبر ليلة القدر ليلة خاصة لبعض الناس، تظهر له وحده بعلامة يراها، أو رؤيا في منام، أو كرامة خارقة للعادة، تقع له دون غيره؟ أم هي ليلة عامة لجميع المسلمين بحيث يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه أقامها، وإن لم يظهر له شيء؟.

لقد ذهب جمع من العلماء إلى الاعتبار الأول، مستدلين بحديث أبي هريرة: "من يقم ليلة القدر فيوافقها.." (رواية لمسلم عن أبي هريرة).
وبحديث عائشة: أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟.
فقال: "قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني" (رواه ابن ماجه والترمذي عن عائشة). وفسَّروا الموافقة بالعلم بها، وأن هذا شرط في حصول الثواب المخصوص بها.
ورجح آخرون معنى يوافقها: أي في نفس الأمر، إن لم يعلم هو ذلك، لأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء، ولا سماعه، كما قال الإمام الطبري بحق.


وكلام بعض العلماء في اشتراط العلم بليلة القدر كان هو السبب فيما يعتقده كثير من عامة المسلمين أن ليلة القدر طاقة من النور تُفتح لبعض الناس من السعداء دون غيرهم. ولهذا يقول الناس: إن فلانا انفتحت له ليلة القدر، وكل هذا مما لا يقوم عليه دليل صريح من الشرع.

فليلة القدر ليلة عامة لجميع من يطلبها، ويبتغي خيرها وأجرها، وما عند الله فيها، وهي ليلة عبادة وطاعة، وصلاة، وتلاوة، وذكر ودعاء وصدقة وصلة وعمل للصالحات، وفعل للخيرات.


وأدنى ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه في تلك الليلة: أن يصلي العشاء في جماعة، والصبح في جماعة، فهما بمثابة قيام الليل.
ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم" "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله" (رواه أحمد ومسلم واللفظ له، من حديث عثمان، صحيح الجامع الصغير -6341).
والمراد: من صلى الصبح بالإضافة إلى صلاة العشاء، كما صرحت بذلك رواية أبي داود والترمذي: "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة" (المصدر السابق -6342).
والله أعلم .

اللهم بلغنا جميعاً ليلة القدر







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77132


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50306


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48887


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48476


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44958


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43391


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 43025


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41791


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40768


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37990


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى