الأربعاء,20 يونيو 2012 - 10:24 ص
: 1926    


خلافة الوليد بن عبدالملك (86 - 96 هـ/705- 714م ) هـو الوليـد بـن عبد المــلك بـن مروان، وُلد سنـة 50هـ، وهو أكبر أبنـاء عبد المـلك، الذى حرص عـلى تربيتهم تربيـة إسـلاميـة، فعهد بـهم إلى كـبــار العــلمــاء و الصـلحـاء لتعـليمهم وتربيتهم، وخص ابنه الوليـد بعنـايـة خـاصـة، لأنه ولى عهده، وخـليفته فـى حكم الدولة الإسـلامية، فشب الوليد على الصلاح والتقوى، حافظًا للقرآن، دائم التلاوة له

fiogf49gjkf0d
تـولَّى الوليـد الخــلافــة بعد وفـاة أبيه، الذى ترك له دولة واسعـة الثـراء، غـنيــة بــالمـوارد، قـويـة السـاعد، مرهوبـة الجـانب، موحَّدة الأجزاء، متمـاسكـة البناء، موطَّدة الأركان، فاستثمر ذلك على أحسن وجه فـى الفتوحـات الإسـلاميـة، فـاستكمل المسلمون فى عهده فتح الشمـال الإفريقـى كـله، وفتحوا بـلاد الأندلس، وأتمُّوا فى المشرق فتح بـلاد ما وراء النهر - آسيا الوسطى - وفتح إقليم السند فى شبه القارة الهندية

وبرز فـى عهده عدد من القادة الكبار، منهم من أشرف على فتح تلك البــلاد، مـثــل: الحـجــاج بـن يـوسف الثقفـى، ومنهم من قـاد تـلك الفتوحـات بنفسه، مثل: قتيبة بن مسلم الباهلى فاتح بلاد ما وراء النـهر، و مـحمد بن القـاسم الثقفـى فـاتح السند، وموسـى بن

نصير وطـارق بن زيـاد فـاتحـى الأندلس. كمـا نهض مسلمة بن عبد المـلك أخو الوليد بمنـازلة الدولة البيزنطيـة، ومواصـلة الضغط عليها، والاستعداد لمحاصرة عاصمتها القسطنطينية

الفتوحات في عهد الوليد بن عبد الملك

- موسى بن نصير و استكمال فتح الشمال الإفريقي

حـلّ موسـى بن نصير سنـة 85هـ محـل حسـان بن النعمـان فى ولايــة شـمـالى إفريقيـا وقيـادة جيوش الفتح بهـا، فـأكمـل مـا بدأه ســابقوه من القـادة العظـام، وقدِّر له أن يجنـى ثمـار غرسهم، ففـى ولايته تم فتح المغرب كـله، وأقبل أبناؤه على اعتناق الإسلام فى حريـة تـامـة، بعدمـا أدركوا وفهموا مـا يحمـله من عزة وكرامة وحرية و عدل ومساواة

فتح الأندلس

الأنـدلس أو شبه جزيرة أيبريـا هـى الجزء الجنوبـى الغربـى من قــارة أوربــا، وتـشمــل فــى الوقت الحـاضر دولتـى إسبـانيـا و البرتغال

عـندمـا استقر الأمر للمسـلمين فـى المغرب فـى ولايـة موسـى بن نـصيـر، وأقــامـوا فيهـا نظـامًا عـادلا ورحيمًا، كـانت الأندلس تمرُّ بــأسـوأ أحـوالهــا السيـاسيـة والاجتمـاعيـة والاقتصـاديـة تحت حكم القوط الذين استبدوا بالبلاد ونعموا بخيراتها، تاركين سواد الشعب يعـانـى الفـاقة والحرمان، فتطلع أهلها إلى المسلمين ليخلصوهم مما هم فيه من ظلم واستعباد

وكـان الذى دعـا المسـلمين إلى فتح تـلك البـلاد هو يوليـان حـاكم ولايـة سبتـة المغربيـة الواقعـة عـلى ساحل البحر، والخاضعة لحكم القـوط آنـذاك، ولم يكن المسـلمون قد فتحوهـا، فـاتصـل حـاكمهـا بـطـارق بن زيـاد حـاكم طنجـة، وعرض عـليه الفكرة، فنقـلهـا إلى موسـى بن نصير الذى اتصـل بالخليفة الوليد بن عبد الملك، فأذن له الخـليفـة، على أن يتأكد من صدق نيات يوليان، وأن يرتاد البلاد بحملة استطلاعية، ليعرف أخبارها قبل أن يدخلها فاتحًا

- حملة طريف بن مالك الاستطلاعية

كـلَّف موسـى بن نصير أحد رجاله وهو طريف بن مالك على رأس خمسمـائـة جندى، بدخول الأندلس وجمع مـا يمكن جمعه من أخبار، كمـا طـلب من يوليـان أن يوافيه بتقرير عن أوضـاع البلاد، فاتفقت معـلومـات طريف التـي جمعهـا مع تقرير يوليـان، وكلها تفيد أن البـلاد فـى حـالة فوضـى، وتعـانى من الضعف العسكري، وأن الناس يـنتـظرون المـسـلمين ليرفعوا عنهم الظـلم، وعـاد جيش طريف سنـة 91هـ محملا بالغنائم

- طارق بن زياد فاتح الأندلس

اختـار موسى بن نصير للقيام بمهمة فتح الأندلس طارق بن زياد وهو من أصـل بربرى لمـا يتمتع به من شجـاعـة ومهـارة فى القيادة، فـخرج فــى سـبعـة آلاف جندى، معظمهم من البربر، وعبر المضيق الذى يفصـل بين السـاحـل المغربى والساحل الأندلسى، والذى لايزال يـحمــل اسمه، ونزل عـلى الجبـل - الذى حمـل اسمه أيضًا - فـى شهر رجب سنـة 92هـ، واستولى عليه بعد عدة معارك مع القوات القوطية التي كانت تقوم بحراسته، و توغل في جنوبي البلاد

ومـا إن عـلم المـلك روذريق بنزول المسـلمين فى بلاده - وكان فى شـمــالى غـربــى البـلاد مشغولا بقمع ثورة اندلعت ضده - حتـى عـاد مسرعًا للقـاء المسـلمين عـلى رأس جيش قوامه نحو مـائة ألف جندى، ولمــا عــلم طـارق بعودة المـلك طـلب مددًا من موسـى بن نصير، فــأمـدََّه بـخمسـة آلاف، وأصبح عدد جيشه اثنـى عشر ألفًا، والتقـى الفريقـان فـى أواخر شهر رمضان سنة 92هـ، وحقق المسلمون نصرًا حـاسمًا، ويـؤكد المـؤرخون أن هذه المعركـة المعروفـة بـاسم معركة شـذونــة قـد قـررت مـصير الأندلس لصـالح المسـلمين، لأن الجيش القـوطــى دُحر تمـامًا، وهبطت روحه المعنويـة إلى الحضيض، ولم يعد قـادرًا عـلى المقـاومـة، فـانفتح الطريق أمام البطل الفاتح طارق بن زيــاد، ليـستـولى عـلى مدن مهمـة، مثـل: قرطبـة، وغرنـاطـة،ووصـل إلى طـليطلة فى وسط البلاد، وكانت عاصمة البلاد فى ذلك الوقت

أرســل طــارق إلى مـوسـى بن نصير يبشره بهذه الانتصـارات، ويطلب منه مددًا جديدًا، فعبر إليه بنفسه على رأس قوة كبيرة قوامها ثمـانية عشر ألفًا، ونجح فى فتح عدد من المدن فى غربى البلاد مثل إشبيلية وهو فى طريقه إلى لقاء طارق فى طليطلة

اتفق القـائدان العظيمـان عـلى استكمـال فتح الأندلس، فـاتجه كـل منهما إلى ناحية فأخذ طارق بن زياد طريقه إلى الشمال الشرقى، فــى حـين اتجه موسـى إلى الشمـال الغربـى، ونجح الاثنـان فـى غـضون عــامين 93 - 95هـ فـى فتح معظم شبه الجزيرة الأيبريـة، عدا منطقـة جبلية فى أقصى الشمال الغربى، استعصت عليهم، أو لم يحفلوا بها، ولم يدروا أنها ستكون فيما بعد البؤرة التى ستنمو فيها المقاومة النصرانية

وقد استمر الإسـلام فـى الأندلس زهاء ثمانية قرون، شاد المسلمون خـلالها حضارة عظيمة، جعلت منها البقعة الوحيدة المضيئة فى القارة الأوربية كلها، التى كانت تعيش عصورًا مظلمة وتحيا حياة متخلِّفة

فتح بلاد ما وراء النهر

أطـلق المسـلمون اسم بـلاد مـا وراء النهر على البلاد المعروفة الآن بـاسم آسيـا الوسطـى الإسـلامية، وتضم خمس جمهوريات إسلامية، كـانت خـاضعـة للاتحـاد السوفييتـى، ثم منَّ الله عليهم، فاستقلُّوا بعد انهياره

وتقع بلاد ما وراء النهر بين نهر جيحون أموداريا فى الجنوب، و نهر سيحون سرداريـا فـى الشمـال، وأهـلهـا من أصول تركية، حلُّوا بها منذ القرن السادس الميلادى

وكــانـت هـذه البــلاد تـتكون - عند الفتح الإسـلامـى - من عدة ممـالك مستقلة، وهى

1 - مـمــلكــة طـخــارسـتــان، وتـقع عــلى ضفتـى نهر جيحون، وعاصمتها بلخ

2 - مـمــلكــة الخُتّل، وهــى أول مـمــلكـة شمـالى نهر جيحون، وعاصمتها مدينة هلبك

3 - مملكة صغانيان، وعاصمتها تسمى صغانيان أيضًا

4 - ممـلكـة الصغد، وعـاصمتهـا مدينـة سمرقند، ومن أهم مدنهـا بخارى

5 - مملكة خوارزم وعاصمتها مدينة الجرجانية. وكـانت تُسمَّى هذه بـالممـالك الجيحونيـة، بـالإضـافة إلى عدة ممالك أخرى تقع عـلى ضفتـى نهر سيحون، سُميت بالممالك السيحونية، وهى الشاش، وأشروسنة، وفرغانة

وهـذه المـمـالك كـلهـا تم فتحهـا خـلال عشر سنوات 86 - 96هـ فـي خـلافـة الوليد بن عبد المـلك، عـلى يد قتيبـة بن مسـلم البـاهلى، وبـقوة دفـع هـائـلة من الحجـاج بن يوسف الثقفـى والى العراق و المشرق

قتيبة بن مسلم فاتح بلاد ما وراء النهر

طرق المسـلمون هذه البـلاد عدة مرات منذ خـلافـة عثمـان بن عفـان رضــى الله عنه، وغزاهـا عدد كبير من القـادة المسـلمين كـان آخرهم المـهـلب بن أبـى صفرة، ولم تكن حمـلاتهم عـليهـا للاستقرار الدائم والفتح المنظم، وإنما كانت لتعرفها ومعرفة أحوالها

وبدأت المرحـلة الحـاسمـة فـى الفتح والاستقرار مع تسـلم قتيبـة بن مـســلم قـيـادة جيوش الفتح وولايـة إقـليم خراسـان سنـة 85هـ، وكــانت الظروف مواتيـة له تمـامًا، فـالدولة الأمويـة كـانت عندئذٍ فـى أحـسن حــالاتـهــا اسـتقرارًا وهدوءًا وثراءً، فـاجتمع لقتيبـة مهـارة القـائد، وعزم الوالى -الحجـاج - وتشجيعه، وقوة الدولة وهيبتهـا، فكانت فتوحاته العظيمة فى بلاد ماوراء النهر

ولم يكن قتيبـة قـائدًا عسكريا فذا فحسب، بل كان إلى جانب ذلك رجـل دولة، وصـانع سيـاسـة، وواضع نظم وإدارة، فعمـل بعد تسـلمه أمور الولايـة عـلى القضـاء عـلى الخلافات العصبية التى كانت تعصف بـالقبـائـل العربيـة فـى خراسـان، من جراء التنـافس فى الولايات، وجمع زعمائهم

ولم يكتفِ قتيبـة بتوحيد صفوف القبـائـل العربيـة تحت راية الجهاد، بـل عمـل عـلى كسب ثقـة أهـل خراسان الأصليين، فأحسن إليهم، وقـرَّبهم وتودَّد معهم، وعهد إليهم بـالوظـائف، فـاطمـأن الجميع إليه، ووثقوا به وبقيادته

مراحل الفتح

مـرت خـطوات قتيبـة فـى فتح تـلك البـلاد التـى استمرت نحو عشر سنوات 86-96هـ عبر مراحل أربع هى

المرحلة الأولى 86 - 87هـ

و فيهـا أخضع قتيبـة بن مسـلم إقـليم طخـارستـان، الواقع على ضـفتــى نـهر جـيحـون، ويـبدو أن أوضــاعـه لم تـكن قـد استقرت للمسـلمين تمـامًا، منذ أن فتحه الأحنف بن قيس فـى خلافة عثمان بـن عـفــان، وكـانت تـلك بدايـة نـاجحـة، فبدون توطيد أقدامه فـى طخارستان لم يكن ممكنًا أن يمضى لفتح ما وراء النهر، وأصبح يـتمـتع بـهيبـة كبيرة فـى تـلك البـلاد؛ فمـا إن يسمع المـلوك بمسيره إليهم، حتى يسرعوا إلى لقائه وطلب الصلح

المرحلة الثانية 87 - 90هـ

وفيهـا فتح قتيبـة إقـليم بخـارى، بعد حروب طـاحنـة، وانتظـام حمـلاته عـليهـا، وكـان الغزو يحدث فـى الصيف، لأن شتـاء تلك البلاد كـان قـاسيًا شديد البرودة عـلى العرب، لكنهم صبروا وجـاهدوا حتى تمَّ لهم الفتح

والحقيقـة أن جهل أهل البلاد بالإسلام، وتصورهم أن المسلمين جاءوا للاستيـلاء على خيرات بلادهم، هو الذى جعلهم يقاومونهم، لكنهم لما عرفوا أن المسـلمين ليسوا غزاة، وإنمـا هداة يحمـلون إليهم الإسلام، أقبلوا على اعتناقه والإيمان بمبادئه

يـقول المـستـشرق المـجرى أرمـينوس فـامبرى: إن بخـارى التـى قــاومـت العرب فـى البدايـة مقـاومـة عنيفـة، قد فتحت لهم أبوابهـا، لتستقبـلهم ومعهم تعـاليم نبيهم صـلى الله عـليه وسـلم، تلك التعاليم التـى قوبلت أول الأمر بمعارضة شديدة، ثم أقبل القوم عليها بعد ذلك فــى غيرة شديدة، حتـى لنرى الإسـلام الذى أخذ شـأنه يضعف اليوم فـى جهـات آسيا الأخرى، وقد غدا فى بخارى اليوم - 1873م - على الصورة التى كان عليها أيام الخلفاء الراشدين

المرحلة الثالثة 90 - 93هـ

وفيهـا أكمـل فتح حوض نهر جيحون كـله، وتوَّج عمـله بـالاستيلاء على سمرقند، أعظم مدائن ما وراء النهر كلها

    المرحلة الرابعة 93 - 96هـ:

وفيها عبر قتيبة نهر سيحون، وفتح الممالك السيحونية الثلاث: الشـاش، وأشروسنـة، وفرغانة، ووصل إلى إقليم كاشغر الذى يــلامـس حـدود الصـين، التــى تـهيــأ لفـتحهـا، لولا أن وفـاة الحـجـاج سنـة 95هـ، وبعده الخـليفـة الوليد بن عبد المـلك سنـة 96هــ، جـعـلته يتوقف عند هذا الحد، لكنه أجبر مـلك الصين عـلى دفع الجزية له مع رسوله إليه هُبيرة بن المشمرج الكلابى

وقد أصبحت تلك البلاد جزءًا مهما وعزيزًا من العالم الإسلامى، نشأت فـيه مـراكـز عــلمـيــة وحـضــاريــة، مـثــل سمرقند، وبخـارى، و جرجـان، وغيرهـا، وخرجت عددًا هـائـلا من علماء المسلمين الذين ملأت أسماؤهم سمع الدنيا وبصرها

فتح السند

بدأ الحجـاج بن يوسف الثقفـى يعد العدة لفتح إقـليم السند فى شبه القـارة الهندية، بعد أن استقام الأمر له فى جنوبى بلاد فارس وتـوطـدت أقـدام المسـلمين هنـاك، وقضـى عـلى تمرد رتبيـل مـلك سجستان، وأخضع بلاده

و يُعـد فـتح بــلاد السند شبيهًا بفتح بـلاد مـا وراء النهر من عدة وجوه، منها وحدة الزمان، فقد فتح المسلمون السند سنة 89 هــ

ووحدة القيـادة العامة التى توجه الفتوحات، والتى تمثلت فى شخص الحـجــاج الثـقفــى الذى وقـف وراء ابـن عـمه مـحمـد بن القـاسم الثـقفـى كمـا وقف وراء قتيبـة بن مسـلم، يعضِّد الفتح ويـؤازره، ويمده بالرجال والعتاد

وقـد سبق الفتحَ المنظم لبـلاد السند سـلسـلةٌ من الحمـلات والغزوات التـى قـام بهـا المسلمون لمعرفة طبيعة البلاد وجمع المعلومات عنها، كـمـا حدث لبـلاد مـا وراء النهر، فقد بدأ المسـلمون يطرقون أبواب هذا الإقـليم منذ عهد عمر بن الخطاب، ويمدنا البلاذرى بمعلومات ضــافـيــة عن حمـلات المسـلمين الأولى قبـل حمـلة محمد بن القـاسم الثقفى فاتح السند 89 - 96هـ

عـزم الحـجــاج عــلى فتح إقـليم السند، بعد أن استقرت أحوال الدولة الأمويـة، فأسند هذه المهمة إلى محمد بن القاسم وكان دون العـشريـن مـن عـمره، وجـهَّزه بمـا يكفـل له النجـاح من عدة وعتـاد، وأمدَّه بستـة آلاف جندى من أهـل الشـام، بـالإضـافة إلى ما كان معه مـن الجـنود، فــأصبح تحت قيـادته نحو عشرين ألفًا فـى تقدير بعض المؤرخين

اتخذ محمد بن القـاسم من مقـاطعـة مهران فـى جنوبـى فارس قــاعـدة للفـتح ونـقطــة انطـلاق، فقسَّم جيشه نصفين، أحدهمـا برِّى والآخر بحرى، ثم تحرك قـاصدًا مدينـة الديبُل - وهـى تقع قريبًا من كـراتـشــى الحــاليــة فـى بـاكستـان - وفتح فـى طريقه إليهـا فنزبول، وأرمـائيـل، ثم وافته السفن التـى كـانت تحمـل الرجال و العتـاد، فحـاصر الديبـل واستولى عليها بعد قتال دام ثلاثة أيام، و ترك فيها حامية من أربعة آلاف رجل، وبنى لهم مسجدًا

وكـان لفتح المسـلمين مدينـة الديبـل أثر كبير فـى أهـل السند، فسـارعوا يطـلبون الصلح فصالحهم محمد بن القاسم ورفق بهم، ثم ســار إلى البـيرون - حـيدر آبــاد السند حـاليـا - فتـلقـاه أهـلهـا وصـالحوه كذلك، وكان لا يمر بمدينة إلا فتحها صلحًا أو عَنوة، وتوَّج ذلك كــله بــالانـتصـار عـلى داهر مـلك السند، ومضـى يستكمـل فـتحه، فـاستولى عـلى حصن راوَدْ، ثم برهمـانـابـاذ، والرور وبـهرور، ثـم اجـتــاز نـهر بـيــاس وعـبر إلى إقـليم المـلتـان، فاستولى عليه بعد قتال شديد، وغنم كميات كبيرة من الذهب

وبينمـا يواصـل محمد بن القـاسم فتوحـاته؛ إذ جاءته الأخبار بوفاة الحـجــاج سـنده وعونه فـى الفتح، فـاغتم لذلك غمـا شديدًا؛ لكنه واصـل فتوحـاته حتـى أتم فتح بـلاد السند، وجاءته قبائل الميد والجات والزط تقرع الأجراس فرحة هاتفة، مرحبة به، لأنهم عدُّوه محررهم من ظلم الهندوس و اسعبادهم

وفـى هذه الأثنـاء مـات الخـليفـة الوليد بن عبد المـلك سنـة 96هـ، وتـولَّى أخـوه سـليمـان بن عبد المـلك منصب الخـلافـة، فعيَّن عـلى العـراق صـــالح بـن عبد الرحـمن، وكــان واحـدًا مـن ألد خـصوم الحجـاج، فقرر الانتقـام منه على الرغم من وفاته سنة 95هـ، فى شـخص ابـن عـمه مـحمـد بـن القـاسم، فعزله عن قيـادة الجيش، ولم يـكتفِ بذلك، بـل أمر بـالقبض عـليه ووضعه فـى السجن، وظـل يعذبه حتى مات

ومن العجيب أن هذا البطـل الذى قتـله أهـله وعشيرته حزن عليه أهل السـند الذيـن فتح بـلادهم، لمـا رأوا فـى عهده من عدل وسمـاحـة و حرية، وصنعوا له التماثيل كما يروى البلاذرى

النهضة العمرانية في عهد الوليد

شـهد عصر الوليد بن عبد المـلك نهضـة عمرانيـة كبرى، فـأعـاد بنـاء المسجد النبوى وأدخـل عـليه توسعـات كبيرة، وعهد إلى ابن عمه والى المدينـة عمر بن عبد العزيز بمتابعة ذلك، كما بنى المسجد الأقصـى فـى مدينـة القدس، وبنـى مسجد دمشق، وأنفق عليه كثيرًا ليكون آيـة من آيـات العمـارة، وعُنى عناية فائقة بتعبيد الطرق التـى تربط بين أجزاء الدولة، التى امتدت أطرافها من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، ومن بحر قزوين شمالا إلى المحيط الهندى جنوبًا، وبخـاصة الطرق التى تؤدى إلى مكة المكرمة، لتسهِّل سفر حجاج بيت الله الحرام

وفـى عهده سبقت الدولة الإسلامية كل دول العالم فى تقديم الخدمات للنـاس مجانًا، وبخاصة الخدمات الطبية لأصحاب الأمراض المزمنة، يقول الطبرى كـان الوليد عند أهـل الشـام أفضـل خـلائفهم، بنى المساجد، مسجد دمـشق، ومـسجد المدينـة، ووضع المنـابر، وأعطـى النـاس، وأعطـى المجذومين، وقـال لا تسـألوا النـاس، وأعطـى كـل مُقعَد خادمًا، وكل ضرير قائدًا، وفُتح فى عهده فتوح عظام

وتُوفِّى الوليد بن عبد الملك فى جمادى الآخرة سنة 96هـ







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76346


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 48897


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 47953


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 47541


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 43619


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 42643


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42235


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41132


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 39915


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37261


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى