الأربعاء,20 يونيو 2012 - 11:39 ص
: 12413    


العصر العباسي الأول (132 هـ 749م إلى سنة 232 هـ 847م،) يمتد العصر العباسي الأول قرنًا من الزمان، من سنة 132 هـ 749م إلى سنة 232 هـ 847م، ويعد العصر الذهبي للخلافة العباسية؛ حيث تمتع الخلفاء بسلطتهم الدينية والدنيوية وخلفاء هذا العصر تسعة، هم

fiogf49gjkf0d
أبو العباس عبد الله 132-136 هـ 749- 753م

المنصور 136 - 158 هـ 753 - 775م

المهدي 158- 169 هـ 775- 785م

الهادي 169 - 170 هـ 785 - 786م

الرشيد 170- 193 هـ 786 - 809م

الأمين 193 - 198 هـ 809 - 813م

المأمون 198 - 218 هـ 813 - 833م

المعتصم 218 - 227 هـ 833-842م

الواثق 227 - 232 هـ 842 - 847م

 

الخليفة الأول: أبو العباس 132-136 هـ 749- 753م

هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم،ولد سنة 100 هـ 718م تقريبًا

بويع أبو العباس في الكوفة في شهر ربيع الأول سنة 132 هـ 749م. واستمر في الحكم أربع سنوات، استطاع خلالها توطيد أركان

الخلافة العباسية، والقضاء على كل مقاومة ظهرت في عهده

موقف العباسيين من الأمويين

مما لاشك فيه أن هناك بعض التجاوزات التي حدثت في إقليم الشام على يد الوالي العباسي عبد الله بن علي، عم الخليفة أبي العباس؛ حيث تعقَّب الأمويين في كل مكان وقتل كثيرًا منهم، مما دفع بعضهم إلى الفرار إلى مناطق بعيدة، كما فعل عبد الرحمن بن معاوية -صقر قريش- الذي فر إلى المغرب ومنها إلى الأندلس؛ حيث أسس دولة أموية هناك سنة 138 هـ 755م، كما حاول بعضهم الآخر التخفِّي وطلب العفو

ومن ناحية أخرى لم يقف أنصار الأمويين وأعوانهم مكتوفي الأيدي أمام انتصارات العباسيين، وما ارتكبه بعض ولاتهم من مذابح تجاه البيت الأموي، فقاموا بعدة ثورات في أماكن متفرقة، إحداها بالبلقاء و حوران سنة 132 هـ 749م، وأخرى في قِنَّسرين، وثالثة في دمشق،لكن قوات العباسيين استطاعت الانتصار عليها والسيطرة على الموقف

موقف الخلافة من بعض زعماء الدعوة العباسية

واجهت الدولة العباسية قبيل إعلانها وفي بداية قيامها انحراف بعض المسؤولين فيها، ولم تكن الظروف السياسية التي صاحبت قيام الدولة العباسية تسمح بالتخلّص من هؤلاء، فلما بويع أبو العباس بالخلافة وبدأت الدولة تأخذ طريقها إلى الاستقرار، قامت بمعاقبة هؤلاء، وكان أول من عوقب أبا سلمة الخلال بسبب عدم تحمسه كثيرًا لانتقال أفراد البيت العباسي من الحميمة إلى الكوفة، ولم يأذن لهم بدخول الكوفة إلا بعد فترة، وحاول نقل الخلافة من البيت العباسي إلى البيت العلوي إلا أنه فشل في ذلك، كما حاول قتل أبي العباس وفشل في ذلك أيضًا، فلما استقرت أمور الدولة استقر رأي أفراد البيت العباسي على أخذ رأي أبي مسلم الخراسانى، الذي وافق على التخلص منه، فتم اغتياله وأعلنت القيادة العباسية أن جماعة من أعداء الدولة هم الذين نفذوا هذه المؤامرة

كما قام أبو مسلم الخراسانى والي إقليم خراسان بالتخلص من أحد كبار الدعاة وهو سليمان بن كثير، الذي كان يُعرف بنقيب النقباء، عقب اتهامه بالاتصال بأحد أبناء البيت العلوي وتحريضه على الثورة ضد البيت العباسي

وتُوفي الخليفة العباسي الأول أبو العباس بالأنبار في 13 من ذي الحجة سنة 136 هـ 9 من يونيو سنة 754م، وعمره نحو ست وثلاثين سنة

الخليفة الثاني: أبو جعفر المنصور 136 - 158 هـ 753- 775م

هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، وكنيته أبو جعفر

ولد سنة 95 هـ 714م في قرية الحميمة بالشام، وتربى وسط كبار الرجال من بني هاشم، فنشأ فصيحًا عالمًا يسير الملوك والأمراء، ودرس النحو والتاريخ والأدب شعرًا ونثرًا وغير ذلك، كما كان كثير الأسفار والتنقل

ولما تولى أخوه أبو العباس الخلافة استعان به في محاربة أعدائه وتصريف أمور الدولة، وكان ينوب عنه في الحج، كما أوصى أبو العباس قبيل وفاته مباشرة بولاية عهده لأخيه أبي جعفر، الذي كان غائبًا في موسم الحج، فلما تُوفِّي أبو العباس قام ابن أخيه عيسى بن موسى بأخذ البيعة لأبي جعفر من بني هاشم وغيرهم، وأرسل إلى عمه أبي جعفر بوفاة أخيه ومبايعته بالخلافة. ولما وصل أبو جعفر إلى الأنبار استكمل أخذ البيعة من القادة والرؤساء، ثم خطب فيهم مبيِّنًا سياسته في إدارة الدولة في النقاط الآتية

1 زهده في منصب الخلافة، وأنه لم يكن يتطلع إلى ذلك أو يرغب فيه

2 تعهده بتنفيذ ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

3 تعهده بإقرار العدل ورفع الظلم عن الناس، وإرجاع الحقوق إلى أصحابها

يُعدُّ أبو جعفر المنصور المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، وقد واجه بحزم واقتدار العديد من المشاكل والثورات حتى نجح في السيطرة عليها والقضاء على القائمين بها،و منها: ثورة عمه عبد الله بن علي، وتمرد أبي مسلم الخراسانى، و ثورة محمد النفس الزكية، وثورات الفرس، وحركات الخوارج

أولاً: ثورة عبد الله بن علي

يُعدُّ عبد الله بن علي -عم الخليفة أبي جعفر المنصور- من الشخصيات العسكرية البارزة في الدولة العباسية، وقد شارك مثل غيره من أفراد البيت العباسي، في النشاط العسكري والسياسي حتى قامت الدولة العباسية، وتولى إمارة الشام، فلما تُوفِّي الخليفة الأول أبو العباس، رفض عبد الله بن علي مبايعة الخليفة الجديد أبي جعفر المنصور، وأعلن أنه أحق منه بمنصب الخلافة، وأن الخليفة أبا العباس كان قد وعده بذلك، ولم يكن هذا صحيحًا؛ لأن الخليفة أبا العباس كتب وصيته قبل وفاته بتولية أخيه أبي جعفر الخلافة، كما أنه لم يرد عن أحد من أفراد البيت العباسي ما يؤيد دعوى عبد الله بن علي. وقد أحدث هذا خللاً شديدًا في كيان البيت العباسي، فحاول أبو جعفر رأب هذا الصدع، وأرسل إلى عمه عدة رسائل يدعوه إلى الدخول في طاعته، ولزوم الجماعة، إلا أن عمه رفض ذلك، فأرسل إليه أبو جعفر قائده أبا مسلم الخراسانى على رأس جيش كبير، ودارت معركة فاصلة بين الجيشين في جمادى الآخرة سنة 137 هـ نوفمبر سنة 754م، انتهت بانتصار جيش أبي مسلم وفرار عبد الله بن علي إلى البصرة، ثم استطاع الخليفة أبو جعفر إحضاره منها إلى الكوفة وسجنه حتى مات سنة 147 هـ 764م

ثانيًا: تمرد أبي مسلم الخراسانى

اختلفت المصادر التاريخية في بيان أصل أبي مسلم الخراسانى، والراجح أنه من أصلٍ فارسي، وقد التحق في بداية أمره بخدمة إبراهيم الإمام الذي أُعجب به ووثق فيه، واستعان به في أموره المهمة، وكان له دور بارز في نجاح الدعوة العباسية، وقيام دولتها

ورغم الجهود والأعمال التي قام بها أبو مسلم فإنه ارتكب بعض الأخطاء الجسيمة في حق الخلافة العباسية منها: انفراده بالحكم في خراسان، وتجاهله شيوخ الدعوة العباسية و نقباءها هناك، وعدم تنفيذ أوامر الخليفة أبي العباس ثم تجاهله لأبي جعفر في مناسبات كثيرة، وتحريضه ابن أخيه عيسى بن موسى على الثورة والاستئثار بمنصب الخلافة، وغير ذلك

وقد حاول الخليفة أبو جعفر -في البداية- معالجة الأمور بهدوء، فاستدعى أبا مسلم من خراسان إلا أنه رفض الحضور فواصل الخليفة مراسلاته، واستعان ببعض الزعماء للضغط على أبي مسلم للحضور إلى مقر الخلافة في العراق، إلا أن أبا مسلم رفض ذلك، فأرسل الخليفة إليه يهدده ويتوعده إن لم يرضخ ويستجب لأمره، وبعد مشاورات بين أبي مسلم وأنصاره استجاب وحضر إلى قصر الخلافة، فعدد عليه الخليفة أبو جعفر ما ارتكبه من أخطاء في حق الدولة، ثم أمر بقتله

ثالثًا: ثورة محمد النفس الزكية

هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، المعروف بالنفس الزكية، زعيم البيت العلوي والشيعة، ومنذ مقتل الإمام علي -كرم الله وجهه- والشيعة يحاولون الوصول إلى مقعد الحكم عن طريق الثورات والخروج على السلطة، باعتبارهم أصحاب الحق الشرعي

وبقيام الدولة العباسية وتولِّي العباسيين الخلافة انتقل صراع العلويين على الخلافة من محاربة الأمويين إلى محاربة أبناء عمومتهم العباسيين

وعلى الرغم من أن أسرة محمد النفس الزكية لم تتخذ موقفًا عدائياً واضحًا في بدء الخلافة العباسية فإن الأمر تغير حين تولَّى أبو جعفر المنصور الخلافة وبدأ يتعقب محمدًا النفس الزكية وأخاه إبراهيم اللذين اختفيا وأخذا يعملان سرا في الدعوة لنفسيهما والخروج على الدولة العباسية

ولما فشل أبو جعفر المنصور في القبض على محمد النفس الزكية أمر بالقبض على عدد كبير من أفراد أسرته، وحملهم إلى سجون العراق وعذَّبهم لإرغام محمد النفس الزكية على الظهور، وقد نجح أبو جعفر في ذلك؛ فظهر محمد النفس الزكية في المدينة المنورة في رجب سنة 145 هـ سبتمبر سنة 762م وقتله العباسيون هناك، كما قتلوا أخاه إبراهيم بالعراق، وكثيرًا من أهلهما

رابعًا: ثورات الفرس

واجهت الخلافة العباسية في عهد أبي جعفر عدة ثورات فارسية، كانت تعبيرًا عن معارضة بعض العناصر الفارسية للخلافة الإسلامية، ومن هذه الثورات

حركة سنباذ سنة 137 هـ 754م

حيث قاد سنباذ -وهو أحد أتباع أبي مسلم- حركة ثورية للثأر لمقتل أبي مسلم الخراسانى، ومحاربة الإسلام، وأحس الخليفة المنصور بخطر هذه الحركة فأرسل جيشًا كبيرًا استطاع القضاء على قوات سنباذ وقتله وهو في طريقه لاجئًا إلى حاكم طبرستان. حركة الرواندية 141 هـ 758م: وهم قوم من أهل خراسان، سُموا بذلك نسبة إلى قرية رواند القريبة من أصفهان، وكانوا من أتباع أبي مسلم الخراسانى، إلا أنهم زعموا أن ربهم الذي يرزقهم ويطعمهم ويسقيهم هو المنصور، وأعلنوا إيمانهم بفكرة تناسخ الأرواح واستطاعوا دخول مدينة الهاشمية، عاصمة الخلافة العباسية آنذاك، وهاجموا قصر الخلافة فتصدَّى لهم بعض الجنود البواسل، وعلى رأسهم معن بن زائدة الشيبانى، واستطاعوا القضاء على هذه الحركة. حركة أستاذ سيس سنة 150 هـ 767م: أستاذ سيس رجل فارسي ادَّعى النبوة، وقاد حركة تهدف إلى تخليص بلاد فارس من قبضة العباسيين، واستطاع بجيوشه الضخمة بسط نفوذه على مناطق سجستان وهراة وكور خراسان وغيرها، فحشدت له الخلافة العباسية قوات ضخمة بقيادة خازم بن خزيمة التميمى، استطاعت القضاء على هذه الحركة، وانتهى الأمر بالقبض على أستاذ سيس وإعدامه

خامسًا: حركات الخوارج

نظر الخوارج إلى العباسيين على أنهم مغتصبون للخلافة التي ينبغي أن يتقلدها أجدر المسلمين بها بالانتخاب، بغض النظر عن نسبه، ومن ثم شهد العصر العباسي الأول عددًا من حركات الخوارج، بغرض القضاء على الخلافة العباسية، ومنها

ثورة ملبد بن حرملة الشيبانى سنة 137 هـ 754م بأرض الجزيرة ديار بكر

وشكلت خطرًا كبيرًا على العباسيين، إلا أن قائدهم خازم بن خزيمة استطاع القضاء عليها

ثورة حسان بن مجالد الهمدانى بالموصل سنة 148 هـ 765م

انتهت بالفشل لتفرق أنصاره عنه

وفاة المنصور

تُوفي المنصور في 6 من ذي الحجة سنة 158 هـ 7 من أكتوبر سنة 775م، وهو في طريقه إلى الحج وقد أشار ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ إلى أن المنصور كان يجعل نهاره لتصريف أمور الدولة، فإذا صلَّى العصر جلس مع أهل بيته، فإذا صلَّى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد إليه من رسائل البلاد، حتى يمضى ثلث الليل الأول فينام، ثم يقوم في الثلث الأخير فيتوضأ ويصلى حتى يطلع الفجر، فيصلى بالناس، ثم يجلس في ديوانه لتصريف أمور البلاد، وهكذا يقضى وقته

الخليفة الثالث: محمد المهدي 158- 169 هـ 775- 785م

هو محمد بن عبد الله بن محمد وُلد بالحميمة سنة 126 هـ 743م، وقد هيأه والده المنصور وأعده ليكون جديرًا بمنصب الخلافة من بعده، فنشأ على ثقافة عربية واسعة، ودراية بفنون الحرب وأساليب الإدارة. وقد أوصى المنصور ابنه وولي عهده محمدًا وصية جامعة، قبيل وفاته تضمنت

التمسك بأن تظل بغداد عاصمة للخلافة

الاهتمام بأهل بيته وحاشيته وأهل خراسان لدورهم في قيام الدولة

تقوى الله وإبعاد النساء عن السياسة

تجنب إهدار دماء المسلمين، ومعاقبة المفسدين والملحدين وتتبعهم

الاستعداد المستمر بالقوة والسلاح، وأن يباشر الأمور بنفسه

وعقب وفاة المنصور بويع المهدي بيعة خاصة من قبل الزعماء بمكة، ثم بايعه جمهور المسلمين في بغداد في ذي الحجة سنة 158 هـ أكتوبر سنة 775م

سياسة المهدي العامة

اختلفت سياسة المهدي عمن سبقه، فاتسم عهده بالاستقرار والهدوء والتسامح والصفح، فأطلق سراح المسجونين السياسيين، واهتم بإقرار العدل بين الناس، وجلس للنظر في مظالم الناس مستعينًا بالقضاة، وأمر بالإنفاق على مرضى الجذام؛ حتى لا يختلطوا بالناس فتصيبهم العدوى، كما اهتم اهتمامًا خاصا بالحرمين الشريفين وبكسوة الكعبة. وقد عفا المهدي عن بعض آل البيت ومنحهم الأموال والإقطاعات، وحينما أدى فريضة الحج سنة 160 هـ 777م وزع أموالاً كثيرة على أهل مكة والمدينة، وأصدر عفوًا عاما عمن عاقبهم المنصور من أهل الحجاز؛ لمشاركتهم في الثورة العلوية، واختار خمسمائة من رجال الأنصار وكوَّن منهم حرسه الخاص، كما قام ببث العيون والجواسيس بالبلاد لرصد أي تحرك معادٍ للدولة، ورغم ذلك فقد حاول بعض العلويين مثل عيسى بن زيد بن علي وعلي بن العباس بن الحسن القيام بثورة ضد الخلافة العباسية، لكنها لم تنجح؛ حيث عاجلهما الموت

سياسة المهدي تجاه الخوارج

واجه المهدي عدة ثورات من الخوارج وقضى عليها بحزمه وسرعة مواجهته، منها

ثورة يوسف بن إبراهيم البرم في خراسان سنة 160 هـ 777م

حركة عبد السلام بن هاشم اليشكرى في قنسرين سنة 160 هـ 777م

حركة الخوارج بالموصل بزعامة ياسين الموصلى التميمى سنة 168 هـ 784م

الحياة الاجتماعية في عهد المهدي

ترك المنصور بعد وفاته في بيت المال أربعة عشر مليون دينار وستمائة مليون درهم، قام المهدي بتوزيعها على الناس؛ فشاع بينهم الترف والنعيم واللهو واللعب، كما اتبعه الناس في حبه للآداب والفنون؛ فارتقت الآداب والفنون، وسادت بين طبقات الشعب، وكان المهدي أول خليفة يُحمل إليه الثلج إلى مكة في الحج، كما كان مترفًا في ملبسه ومأكله

وفاة المهدي

تُوفي المهدي سنة 169 هـ 785م وعمره ثلاث وأربعون سنة، وقد قضى في الحكم إحدى عشرة سنة

الخليفة الرابع: موسى الهادي 169 – 170 هـ 785 - 786م

هو موسى ابن الخليفة المهدي، تولى الخلافة في 22 من المحرم سنة 169 هـ 5 من أغسطس سنة 785م

سياسته

اتصف الخليفة الهادي بالغيرة والشهامة والجرأة، ورفض تدخل أمه الخيزران في سياسة الدولة كما كانت تفعل في عهد والده المهدي. وقد واجه الهادي مشاكل خطيرة على رأسها ثورة البيت العلوي بقيادة الحسين بن علي بن الحسن في المدينة سنة 169 هـ 785م، إلا أن الهادي أرسل جيشًا على وجه السرعة نجح في القضاء عليها في 8 من ذي الحجة سنة 169 هـ 11من يونيو سنة 786م وحاول الهادي نقل ولاية العهد من أخيه الرشيد إلى ابنه جعفر، الذي لم يكن قد بلغ الثامنة من عمره مخالفًا وصية والده في ترتيب ولاية العهد، إلا أن الموت عاجله فلم يتحقق له ما أراد

وفاته

تُوفي الهادي ليلة الجمعة، نصف ربيع الأول سنة 170 هـ نصف أغسطس 786م وبذلك تكون مدة خلافته سنة وشهرًا واثنين وعشرين يومًا

الخليفة الخامس: هارون الرشيد 170- 193 هـ 786 - 809م

هو هارون بن محمد المهدي، وُلد بالرى في آخر ذي الحجة سنة 145 هـ فبراير سنة 763م، وتولى الخلافة في الليلة التي مات فيها أخوه الهادي وعمره اثنان وعشرون عامًا

ويُعدُّ الرشيد أشهر خلفاء العباسيين وأبعدهم صيتًا، فقد ملأت أخباره كتب التاريخ شرقًا وغربًا

سياسته العامة

لما استقر الرشيد في بغداد عاصمة الخلافة العباسية قلَّد يحيى البر مكي منصب الوزارة وفوضه في إدارة شؤون البلاد، ومنحه لقب أمير؛ فكان أول من لُقِّب بذلك من الوزراء الفرس في الدولة العباسية

اهتم الرشيد بإقامة العدل في الناس، فأمر بإعادة الأراضي التي اغتصبها أهل بيته في عهد الخلفاء السابقين إلى أصحابها، ورفع الظلم عن المسجونين ظلمًا، وقسم أموال ذوي القربى بين بنى هاشم كلهم بالعدل، وأصدر عفوًا عن المعتقلين السياسيين، فأخرج من كان في السجن من العلويين، وسمح لهم بالعودة إلى المدينة، ومنحهم الرواتب، كما أجرى الرشيد تعديلات واسعة في مناصب الدولة في كل من مكة والمدينة والطائف والكوفة وخراسان وأرمينية والموصل

موقفه من الشيعة

حاول الرشيد في الأعوام الأولى من خلافته مسالمة العلويين والعفو عنهم، إلا أنه كان يخشى خطورة اثنين منهم فرَّا عقب موقعة الفخ، أما أولهما فهو إدريس بن عبد الله الذي نجح في الوصول إلى المغرب الأقصى وكون دولة الأدارسة، وأما الآخر فهو يحيى بن عبد الله الذي فرَّ إلى بلاد الدَّيلم وتجمع حوله المتشيعون لآل البيت، فأرسل إليه الرشيد جيشًا بقيادة الفضل بن يحي؛ لإرجاعه إلى حظيرة الخلافة، فعاد به إلى بغداد حيث لقيه الرشيد بكل ما أحب، إلا أن الحاسدين سرعان ما وشوا به عند الخليفة بسبب قيام الكثير من العلويين بزيارته والتودد إليه، فأمر الرشيد بسجنه حتى مات

وقد استطاع بعض رجال الحاشية الذين يكنون العداء للبيت العلوي تعميق خوف الرشيد من زعماء البيت العلوي واستغلال ذلك للقضاء عليهم، كما حدث مع موسى الكاظم؛ حيث أمر الرشيد بحبسِه حتى أدركه الموت

موقفه من الخوارج

واصل الخوارج نشاطهم العسكري ضد الخلافة العباسية في عهد الرشيد، فقام الوليد بن طريف الخارجي بحركة تمرد وعصيان في العراق واستولى على أماكن عديدة، إلا أن الرشيد أرسل إليه جيشًا بقيادة يزيد الشيبانى استطاع القضاء على هذه الحركة وقتل قائدها في رمضان سنة 179 هـ نوفمبر سنة 795م

موقفه من البرامكة

تمتع البرامكة في بداية عهد الرشيد بالسلطة والجاه والنفوذ، وتقلدوا مناصب الدولة المهمة، حتى إذا جاء شهر صفر سنة 187 هـ يناير سنة 803م أمر الرشيد بسجنهم، ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، فيما عرف في التاريخ بنكبة البرامكة. وقد تضافرت عدة عوامل كانت سببًا فيما فعله الرشيد بالبرامكة، منها

اتهامهم بالزندقة والخروج عن الإسلام باعتبارهم من أصل مجوسي

محاولتهم إبعاد العرب عن المناصب المهمة وتقديمهم الفرس لشغلها

استبدادهم بالأمور وإظهارهم ما لا تحتمله نفوس الملوك

قيام الحاسدين والحاقدين بتضخيم أخطاء البرامكة

أن الرشيد كلف جعفر بن يحيى البرمكى بقتل رجل من آل أبي طالب فلم يفعل

المجتمع في عهد الرشيد

ازدهر المجتمع في عهد الرشيد اقتصاديا وثقافيا وعلميا وعمرانيا. فقد تدفقت الأموال من كل مكان، واتسعت رقعة الدولة واستقر الأمن بها وازدهرت التجارة، وأصبحت بغداد قبلة للطامحين في الثراء والترف، كما قصدها النوابغ والعباقرة والصناع المهرة من سائر الشعوب، وشيدت فيها القصور الرائعة والمساجد الكبيرة، وانتشرت الحدائق العامة، والأسواق المتخصصة كسوق الذهب والنحاس، والنسيج وغير ذلك. وكان الرشيد على قدر عالٍ من الثقافة والمعرفة، واجتمع عنده أقطاب العلم والعمل والسياسة والحرب مثل: أبي يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة، والأصمعي الراوية المشهور، وأبي العتاهية وأبي نواس من الشعراء، وداهية السياسة يحيى البرمكى وابنيه الفضل وجعفر، ومن المغنين إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، ومن الموسيقيين زلزل وبرصوم، وغيرهم من أمراء العباسيين القادة والخطباء والشعراء والساسة

وفاة الرشيد

أثناء سفر الرشيد من بغداد إلى خراسان اشتد المرض عليه، وتُوفي صباح يوم الجمعة 2 من جمادى الآخرة سنة 193 هـ 23 من مارس سنة 809م، وعمره خمس وأربعون سنة. وقد حكم الرشيد البلاد ثلاثة وعشرين عامًا، بلغت فيها الدولة العباسية ذروة مجدها، وقد تحدث عنه كثير من المؤرخين، فقال عنه الطبري: غزا سبع مرات، وجهز عشرين حملة للجهاد في البر و البحر. وقال عنه ابن خلكان: حج في خلافته تسع حجج، وكان يصلى في اليوم مائة ركعة

الخليفة السادس: محمد الأمين 193 - 198 هـ 809 - 813م

هو محمد بن هارون الرشيد، وُلد بالرصافة وأمه زبيدة ابنة جعفر الأكبر بن المنصور، تولى الخلافة عقب وفاة أبيه هارون الرشيد باعتباره ولي عهده، وكان عمره حينئذٍ ثمانية وعشرين عامًا

الصراع بين الأمين والمأمون

تشير مصادر التاريخ إلى أن بداية الخلاف كانت من جانب الأمين، حين خالف أمر والده الرشيد في مرضه، بأن يكون ما في معسكره من أموال ومتاع وجند لأخيه المأمون، في مرو؛ مما أحدث أثرًا سيئًا في نفس المأمون. وكانت الخطوة التالية قيام الأمين بتعيين ابنه موسى وليا للعهد بدلاً من أخويه المأمون والمؤتمن، فقام المأمون بإسقاط اسم الأمين من الطرز والسّكَة، ومنع البريد من الوصول إليه بأخبار خراسان، ثم طلب من أخيه الأمين أن يرد إليه مائة ألف دينار كان والده الرشيد قد أوصى بها إليه فرفض الأمين، ثم تطور الصراع بينهما إلى المواجهة العسكرية، فجهز الأمين جيشًا بقيادة علي بن عيسى بن ماهان، وجهَّز المأمون جيشًا ضخمًا بقيادة طاهر بن الحسين، ودارت عدة معارك بين الجيشين انتهت بمحاصرة بغداد ومقتل الأمين سنة 198 هـ 813م، وقد دامت خلافة الأمين أربع سنوات وثمانية أشهر وخمسة أيام

الخليفة السابع: عبد الله المأمون 198 - 218 هـ 813 - 833م

هو عبد الله بن هارون الرشيد، وُلد في منتصف ربيع الأول سنة 170 هـ أغسطس سنة 786م وأمه أم ولد فارسية تُسمَّى مراجل، وكان يكنى أبا العباس، ويُلقب بالمأمون. نشأ المأمون نشأة إسلامية، وتلقى العلوم العربية، وتدرَّب على فنون القتال والنزال وقيادة الجند، كما أسند والده الرشيد إلى وزيره جعفر البرمكى مهمة الإشراف على تنشئته، وقد أظهر المأمون نبوغًا خلال دراسته

ولما تولى المأمون الخلافة عزم أن يقدم القدوة الصالحة والسيرة الحسنة في الناس حتى يقتدي به رجال دولته، وكان يقول: أول العدل أن يعدل الملك في بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى

كما اتصف المأمون بالعفو والحلم حتى اشتهر بذلك وهو القائل: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إلىّ بالجرائم، وأخاف ألا أؤجر عليه، يعنى لكونه طبعًا له يستلذ به

سياسة المأمون

انتهج المأمون سياسة واعية تقوم على أسس واضحة منها

تأليف القلوب بالعفو والعطاء، وقد عد اليعقوبى سبع عشرة حادثة يستحق صاحب كل واحدة منها القتل عند أمثال المنصور، لكنها قوبلت عند المأمون بالعفو

العناية بالعلم والعلماء: كان للمأمون ولعٌ بالأمور العلمية والفلسفية، فكان يعقد مجالس المناظرة ويبعث في طلب العلماء والأعلام من بيزنطة لحضورها، وكان يتصيَّد الكتب النادرة ويدفع فيها المبالغ الطائلة، ويجعل حصوله عليها شرطًا من شروط الهدنة ووقف القتال مع الروم، كما أقام بيت الحكمة وجعل فيها مكتبة ضخمة، وجهازًا كبيرًا للترجمة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية، حشد له نحو سبعين مترجمًا

المأمون والشيعة

جمعت سياسة المأمون تجاه الشيعة بين أمرين هما السخط والرضا

أما العنف فقد تمثل في سياسة المأمون تجاه الثورات الشيعية المسلحة التي اندلعت في عدة أماكن، مثل حركة ابن طباطبا العلوي سنة 199 هـ 814م، وحركة الحسين بن الحسن في الحجاز، وحركة عبد الرحمن بن أحمد في اليمن سنة 207 هـ 822م، وقد انتهت هذه الحركات بالفشل في تحقيق أغراضها

وأما الرضا فقد تمثل في قيام المأمون باختيار أحد أبناء البيت العلوي وهو على بن موسى الرضا ليكون ولي العهد من بعده، وهو ما لم يفعله أحد من خلفاء بنى العباس قبله، وقد اختلف المؤرخون في تعليل قيام المأمون بهذا الأمر، فمنهم من فسر ذلك بميول المأمون الشيعية وحرصه على تولية أفضل العناصر ولاية العهد، وآخرون أرجعوا ذلك إلى تأثير الفضل بن سهل وميوله الشيعية. وقد أحدثت بيعة المأمون لعلي بن موسى الرضا بولاية العهد ردود فعل عنيفة في أنحاء الدولة العباسية فرفض أفراد البيت العباسي ومؤيدوهم هذه البيعة، وبايعوا إبراهيم بن المهدي عم المأمون بالخلافة سنة 202 هـ 817م ولما علم المأمون بذلك وهو في مرو بخراسان تحرك قاصدًا بغداد لمعالجة الموقف، وأثناء ذلك مات على الرضا ولي العهد، فهدأ الموقف، وهرب إبراهيم بن المهدي من بغداد، ودخلها المأمون، ثم عفا عنه

المأمون والفرس

يمكن تقسيم نشاط الفرس في عهد المأمون إلى قسمين

نشاط سياسي: ويتمثل هذا النشاط في الدور الذي لعبه بنو سهل مع الخليفة المأمون، وهو يشبه تمامًا دور البرامكة مع هارون الرشيد،حيث سلم المأمون الفضل بن سهل مقاليد الأمور، فصارت مهام الدولة في يده، وبدأ في إبعاد العناصر العربية من بلاط المأمون، وتعصب للعنصر الفارسي، وارتكب مجموعة أخرى من الأخطاء؛ مما جعل المأمون يفكر في التخلص منه، فقتل أثناء سفر المأمون إلى بغداد

نشاط عسكري: أما النشاط العسكري فيتمثل في حركة بابك الخرمى،التي تُعدُّ أخطر الحركات الفارسية المعادية للخلافة العباسية، فقد استمرت ما يزيد على عشرين عامًا واتسمت بدقة التنظيم وبراعة القيادة، والاتصال السياسي بالأكراد والأرمن وغيرهم، وكانت تؤمن بمبادئ هامة منها

الإيمان بالحلول والتناسخ حتى إن زعيمها بابك ادَّعى الألوهية

المشاعية المزدكية في الأموال والأعراض

ضرورة التخلص من السلطان العربي والدين الإسلامي. وقد ألحقت هذه الحركة العديد من الهزائم بالجيش العباسي ولم يتم القضاء عليها إلا في عهد المعتصم بالله

وفاة المأمون

ظل المأمون خليفة للمسلمين عشرين سنة وخمسة أشهر وعشرين يومًا، وقد تُوفي في 18من رجب سنة 218 هـ 833م

الخليفة الثامن: المعتصم بالله 218 - 227 هـ 833 - 842م

هو محمد بن هارون الرشيد، وُلد في شعبان سنة 180 هـ أكتوبر سنة 796م، وأمه جارية تركية اسمها مارده، وقد تولى الخلافة عقب وفاة أخيه المأمون. كان المعتصم يتميز بقوته الجسمية وشدته في الحرب، حتى قيل عنه: إنه كان يصارع الأسود ويحمل ألف رطل ويمشى به خطوات ويشد على الدينار بأصبعه السبابة والوسطى فيمحو كتابته، وقال عنه المؤرخون: إنه لم يكن في بنى العباس قبله أشجع منه ولا أتم تيقظًا ولا أشد قوة. ومع ذلك فقد كان المعتصم على خلاف أخويه الأمين والمأمون في العلوم والآداب، فقد كان قليل البضاعة منهما، حتى ذكر بعض المؤرخين أنه نشأ أميا لا يكتب، أو أنه كان ضعيف الكتابة على حد قول ابن خلكان وابن كثير

سياسة المعتصم

اختلفت الأوضاع السياسية في عهد المعتصم عنها في عهد من سبقه،بسبب ظهور عوامل جديدة على مسرح الأحداث، كان في مقدمتها ظهور العنصر التركى قوة مؤثرة في حركة الأحداث؛ فتمتع الأتراك بصفات عسكرية كالشدة والقوة والتحمل جعل المعتصم يستكثر منهم، يضاف إلى ذلك أن أمه تركية. إلا أن كثرة الأتراك سببت أضرارًا كبيرة لسكان بغداد، مما دفع المعتصم إلى البحث عن مكان جديد يكون عاصمة له فوقع الاختيار على المكان الذي بنيت عليه مدينة سُرّ من رأى سامراء حاليا التى بُدء البناء فيها سنة 221 هـ 836م، ويتميز موقعها بميزات سياسية واقتصادية وعسكرية، فمن الناحية السياسية فإنها في موقع متوسط يسهل الاتصال بأنحاء الدولة، ومن الناحية الاقتصادية فإن موقعها يسهل عمليات التبادل التجارى بين النواحى الشمالية والجنوبية، وعسكريا فإن إحاطة المياه بها يجعلها في مأمن من أى عدوان خارجى. ومن الأعمال العظيمة التى تنسب إلى المعتصم بالله نجاحه في القضاء على ثورة بابك الخرمى، فحينما تولى أمر البلاد جهز جيشًا بقيادة الأفشين وزوَّده بكل أدوات القتال وبالمال اللازم؛ حيث دارت عدة معارك، انتهت بالقبض على بابك الخرمى وإعدامه

المعتصم والشيعة

لم تظهر في عهد المعتصم حركات علوية مؤثرة كالحركات التى حدثت في عهد الخلفاء السابقين، وإنما حدثت بعض الحركات الضعيفة، و منها

حركة محمد بن القاسم المعروف بالصوفي، سنة 219 هـ 834م: والذي تحرك في عدة أماكن كالحجاز والكوفة ثم استقر في خراسان، وشكلت حركته خطرًا على الدولة العباسية، فكلف المعتصم واليه على خراسان عبد الله بن طاهر بالتصدى لهذه الحركة؛ حيث نجح في القضاء عليها

وفاة المعتصم بالله سنة 227 هـ 841م

تُوفي المعتصم بالله في شهر ربيع الأول سنة 227 هـ ديسمبر سنة 841م، وقد أطلق عليه بعض المؤرخين المُثَمن، لأن خلافته دامت ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين، ومولده في الشهر الثامن من العام الهجرى، ومات عن ثمانية بنين وثمانى بنات

الخليفة التاسع: الواثق بالله: 227 - 232ه = 841 - 847م

هو هارون بن المعتصم بالله، يكنى أبا جعفر وأمه أم ولد رومية تُسمى قراطيس، وكان فطنًا لبيبًا فصيحًا ينظم الشعر ويحب الموسيقى. وقد تولى الواثق بالله الحكم يوم وفاة والده المعتصم

سياسة الواثق بالله

تظهر ملامح تلك السياسة فيما يلى

أولاً: تمسكه بمذهب المعتزلة، حتى جعله المذهب الرسمى للدولة، مما أثار أهل السنة ضده، إلا أنه تصدى لهم وقبض على زعمائهم

ثانيًا: تقريبه للأتراك جريًا على سياسة والده المعتصم، حتى إنه قسم البلاد بين رجلين من الأتراك، الأول أشناس وأعطاه الشطر الغربى من الدولة إلى آخر بلاد المغرب، والثانى قائده إيتاخ وأعطاه الشطر الشرقى: دجلة وفارس والسند، وكان كل منهما يعين الولاة الذين يريدهم، هذا بالإضافة إلى عدد من القادة الأتراك الذين شغلوا مناصب خطيرة، مثل: وصيف التركى الذي أوكل إليه الواثق القضاء على ثورة المتمردين الأكراد، وبغا الكبير الذي أخمد ثورة الأعراب بنواحى المدينة. وكان الواثق يغدق عليهم الأموال والهدايا

ثالثًا: مصادرة أموال كبار الموظفين، مثل أحمد بن إسرائيل، الذي أخذ منه ثمانين ألف دينار، وسليمان بن وهب كاتب إيتاخ، الذي أخذ منه أربعمائة ألف دينار، وغيرهما، مما ترك آثارًا سيئة في الجهاز الإدارى والاستقرار المالى للدولة، وأصابهما بالفساد والخلل

رابعًا: إحسانه إلى بعض طوائف الأمة، وفي مقدمتهم العلويون حيث أغدق عليهم الأموال

وفاة الواثق بالله

استمر الواثق في مقعد الخلافة خمس سنين وتسعة أشهر، ثم أُصيب بمرض الاستسقاء، ومات في ذي الحجة سنة 232 هـ يوليو سنة 847م، وعمره اثنان وثلاثون عامًا، وقيل: ستة وثلاثون

. السمات العامة للعصر العباسي الأول 132 - 232ه = 749 - 847م

امتد العصر العباسي الأول مائة سنة، تولى الخلافة خلالها تسعة خلفاء، بدءًا من أبي العباس وانتهاءً بالواثق بالله، ويمكن تقسيم هذا العصر إلى ثلاثة عهود رئيسية

عهد التأسيس من سنة: 132 هـ 749م إلى سنة 158 هـ 775م، ويشمل خلافة أبي العباس والمنصور

عهد الاستقرار: من سنة 158 هـ 775م إلى سنة 218 هـ 833م، ويشمل خلافة المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون

عهد القلق: من سنة 218 هـ 833م إلى سنة 232 هـ 847م، ويشمل المعتصم بالله والواثق بالله

ويتميز العصر العباسي الأول بالسمات الآتية

أولاً: كثرة الصراعات: ومن ذلك

الصراع بين العرب -ومنهم أسرة الخلافة-والفرس-ومنهم الوزراء والإداريون وغيرهم مثلما حدث بين الرشيد و البرامكة، والمأمون وبنى سهل

الصراع بين فروع البيت الهاشمي: العباسيين، والعلويين، مثلما حدث بين الخليفة المنصور ومحمد النفس الزكية

الصراع بين الخلافة العباسية والحركات المعادية لها من العرب وغيرهم، وقد تمثل ذلك في حركات الخوارج

الصراع بين الإسلام - الدين الرسمى للدولة- وبين العقائد الأخرى التى ظهرت في بلاد فارس كالخُرَّمية وغيرها من العقائد الفاسدة

ثانيًا: اتساع العلاقات الخارجية

فقد بسطت الخلافة العباسية سلطانها على بلادٍ كثيرة شرقًا وغربًا، وتعددت علاقاتها مع الدول الأخرى وفي مقدمتها

الدولة البيزنطية

وكانت العدو التقليدي للدولة الإسلامية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد اشتد هذا العداء بعد استيلاء المسلمين على بعض

المناطق التي كانت خاضعة للدولة البيزنطية، كالشام ومصر والمغرب

وخلال العصر العباسي الأول حدث الاحتكاك المباشر بين القوات الإسلامية والبيزنطية على الحدود الشمالية في منطقة الشام، فقد استغلت الدولة البيزنطية انشغال الخليفة العباسي الأول أبي العباس عبد الله بن محمد، بتثبيت أركان الدولة سنة 132 هـ 749م، وقامت بمهاجمة الحصون والثغور الإسلامية؛ فأمر الخليفة أبو العباس واليه على الشام بالإعداد لمواجهة البيزنطيين، ولكن الموت عاجله، وجاء المنصور فأمر بتحصين الثغور وإعادة بناء ما هدمه البيزنطيون، وجعل لها حكمًا إدارياً مستقلاً، وحشد فيها آلاف المقاتلين والمرابطين في سبيل لله

وكانت هذه الثغور تنقسم إلى قسمين

الثغور الجزرية: للدفاع عن الجزيرة الفراتية وشمال العراق وأهم حصونها ملطية والمصيصة، ومرعش.

الثغور الشامية: وتقع غرب الثغور الجزرية، وهى للدفاع عن الشام، وأهم حصونها طرسوس، وأدنة

وفي سنة 162 هـ 779م أرسل المهدي جيشًا ضخمًا بقيادة الحسن بن قحطبة، فتوغل في بلاد الروم ونشر الرعب بين صفوفهم

وفي سنة 163 هـ 780م خرج المهدي بنفسه على رأس الجيش متجهًا إلى الحدود البيزنطية، ووصل إلى الموصل ثم حلب؛ حيث ترك ابنه هارون الرشيد ليتابع جهاده ضد البيزنطيين، وفي عهد الرشيد 170- 193 هـ 786- 809م أمر بجعل منطقة الثغور منطقة مستقلة باسم الثغور والعواصم وأقام خطين للدفاع عن حدود الدولة مع البيزنطيين، الخط الأول هو الثغور، والخط الثانى إلى الجنوب من الخط الأول، ويُسمَّى: العواصم

كما قام الرشيد ببناء حصون جديدة، مثل عين زرية، وزبطرة وغيرهما. وقد حاول نقفور إمبراطور الدولة البيزنطية الامتناع عن دفع الجزية للخلافة العباسية، فأرسل إليه الرشيد يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا بن الكافرة والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام. وخرج الرشيد بنفسه على رأس جيش ضخم ألحق الهزيمة بالقوات البيزنطية وأرغم الإمبراطور نقفور على الخضوع ودفع الجزية مرة أخرى

ونظرًا لكثرة المعارك بين العباسيين والبيزنطيين، فقد وقع كثير من جنود الطرفين أسرى، وقد حرصت الخلافة العباسية على فداء أسرى المسلمين، في عهد الرشيد سنة 181 هـ 797م. وقد سار المأمون 198 - 218 هـ 813 - 833م على سياسة والده نفسها، في استمرار النشاط العسكري ضد البيزنطيين، وكان النصر حليف المسلمين

وتعدُّ معركة عمورية سنة 223 هـ 838م، أبرز المعارك بين المسلمين والبيزنطيين في عهد المعتصم بالله، وكان سببها اعتداء الإمبراطور البيزنطي تيوفيل بن ميخائيل على بعض الثغور و الحصون على حدود الدولة الإسلامية، وحين بلغ المعتصم ما وقع للمسلمين في هذه المدن، وصيحة امرأة مسلمة وقعت في أسر الروم: وامعتصماه، فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك، و جهز جيشًا ضخمًا أرسله على وجه السرعة لإنقاذ المسلمين، ثم خرج بنفسه على رأس جيش كبير وفتح مدينة عمورية، وهى من أعظم المدن البيزنطية، واستولى على ما بها من مغانم وأموال كثيرة جدا

الدولة الأموية بالأندلس

وكانت علاقة العباسيين بها علاقة عداء وتربص، فقد استطاع عبد الرحمن بن معاوية-بعد فراره من العباسيين إلى الأندلس -أن يؤسس الدولة الأموية بالأندلس وعاصمتها قرطبة سنة 138 هـ 755م

وقد حاولت الخلافة العباسية بسط نفوذها على بلاد الأندلس و القضاء على الدولة الأموية بها، فدبَّر أبو جعفر المنصور ثورة العلاء بن مغيث الجذامى في مدينة باجة الأندلسية سنة 146 هـ 763م، وقام المهدي بمساندة الثورات الداخلية التي كانت تقوم لحساب الدولة العباسية، ولكن كل هذه المحاولات والثورات باءت بالفشل بسبب يقظة الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل وحزمه، وقد لقبه أبو جعفر المنصور بصقر قريش، بل إن عبد الرحمن الداخل أشاع عزمه على غزو الشام وانتزاعه من الدولة العباسية، وكتب إلى أنصاره في الشام بذلك وعهد إلى ابنه سليمان بولاية الأندلس، وذلك بغرض إزعاج الدولة العباسية وإرغامها على وقف محاولاتها المستمرة لاسترداد بلاد الأندلس

الدولة الكارولونجية

وكانت إحدى القوى الناشئة في غربي البحر المتوسط جنوبي فرنسا حاليا، وقام بينها وبين الدولة العباسية علاقات سياسية، وجرى تبادل السفراء بين الدولتين في عهد هارون الرشيد، وقد سعى زعيم الدولة الكارولونجية شارلمان إلى كسب وده لتعزيز موقفه الداخلي و الخارجي، وتبادل معه الهدايا الثمينة







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77040


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50137


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48782


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48366


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44831


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43316


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42891


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41711


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40669


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37911


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى