الأربعاء,20 يونيو 2012 - 11:48 ص
: 4613    


العصر العباسي الثانى (232 هـ 847م إلى سنة 656هـ 1258م،) يمتد العصر العباسي الثاني أكثر من أربعة قرون، وقد قسم المؤرخون هذه الفترة إلى أربعة عصور رئيسية هي

fiogf49gjkf0d
أولا- عصر نفوذ الأتراك
ثانيا- عصر البويهيين
ثالثا- عصر السلاجقة
رابعا- عصر ما بعد السلاجقة

أولاً: عصر نفوذ الأتراك 232 - 334هـ = 847 - 945م

كان المأمون أول من استخدم الأتراك وقربهم، ولكنهم كانوا محدودي العدد والنفوذ في عهده، فلما تولى الخليفة المعتصم الحكم جعلهم عنصرًا أساسيا في جيشه، وبلغ عددهم بضعة عشر ألفًا، وكانوا تحت سيطرة الخليفة. وبدأ نفوذ الأتراك يتزايد في عهد الواثق، ثم ازداد حدة واتساعًا في عهد الخليفة المتوكل

ويمتد عصر نفوذ الأتراك إلى ما يزيد قليلاً على قرن من الزمان، تعاقب خلاله على كرسي الخلافة ثلاثة عشر خليفة هم

المتوكل على الله جعفر بن المعتصم 232 – 247 هـ = 847 – 861م
المنتصر بالله محمد بن المتوكل 247 – 248 هـ = 861- 862م
المستعين بالله أحمد بن المعتصم 248 – 252 هـ = 862- 866م.
المعتز بالله محمد أبو عبد الله بن المتوكل 252 – 255 هـ = 866 – 869م.
المهتدى بالله محمد بن الواثق بن المعتصم 255 – 256 هـ = 869 – 870م.
المعتمد على الله أحمد بن المتوكل بن المعتصم 256 – 279 هـ = 870 – 892م.
المعتضد بالله أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل 279 – 289 هـ = 892 – 902م.
المكتفي بالله أبو محمد على بن المعتضد 289 – 295 هـ = 902 – 908م.
المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن محمد 295 – 320 هـ = 908 – 932م.
القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد 320 – 322 هـ = 932 – 934م.
الراضي بالله أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد 322 – 329 هـ = 934-941م.
المتقى لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر 329 – 333 هـ = 941 – 945م.
المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي 333- 334 هـ = 945 – 946م

المتوكل على الله

وقد تولى الخلافة في ذي الحجة سنة 231 هـ = 847م، وكان عهده بداية حقبة الضعف والتدهور، وتفكك بنيان الخلافة العباسية

ورغم أن المتوكل: كان قوى الشخصية، وافر الهيبة فإنه لم يستطع أن يضع حدا لاستفحال النفوذ التركى في عهده، الذي كان له دور في توليته الخلافة بعد أن كادت البيعة تتم لمحمد بن الواثق، وكان غلامًا

وقد نجح المتوكل في البداية في التخلص من أخطر العناصر التركية في عهده، وهو إيتاخ الذي استفحل خطره حتى إنه هـمَّ يومًا بقتل الخليفة المتوكل حين تبسَّط معه في المزاح، لكن الخليفة نجح في التخلص منه سنة 235هـ = 849م، كما عزم على التخلص من قادة الأتراك ووجوههم، مثل وصيف وبُغا، إلا أنهم استغلوا ما بينه وبين ابنه وولى عهده محمد المنتصر من خلاف وجفوة ودبروا مؤامرة انتهت بقتل المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان في الخامس من شوال سنة 247هـ = 861م، وبايعوا ابنه المنتصر خليفة

وقد استطاع المتوكل في عهده أن يظفر بمكانة عظيمة في قلوب جماهير المسلمين، حين منع النقاش في القضايا الجدلية التي أثارها المعتزلة، مثل قضية خلق القرآن، كما رد للإمام أحمد بن حنبل اعتباره وجعله من المقربين إليه، بعد أن اضطُهد في عهد المأمون والمعتصم والواثق؛ لعدم إقراره القول بخلق القرآن، كما أمر المتوكل الفقهاء والمحدِّثين أن يجلسوا للناس ويحدثوهم بالأحاديث التي فيها رد على المعتزلة فأثنى الناس عليه، حتى قالوا: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز رد مظالم بنى أمية، والمتوكل محا البدع وأظهر ال سنة

المنتصر بالله

تولى الخلافة في اليوم الذي قُتل فيه أبوه، وذلك في شوال سنة 247هـ = ديسمبر سنة 861م، و عمره ستة وعشرون عامًا. وحاول التصدي للنفوذ التركي بكل حزم، وصار يسب الأتراك ويقول:هـؤلاء قتلة الخلفاء

ورغم أن المنتصر بالله كان وافر العقل قوى الشخصية فإن الأتراك احتالوا على قتله، فأعطوا طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار، ففصده بمبضع مسموم فمات، في ربيع الآخر سنة 248هـ = يونيو سنة 862م بعد حكم دام ستة أشهر فقط، ويروى أنه حينما احتضر، قال لأمه : يا أماه ذهبت منى الدنيا والآخرة، عاجلت أبى فعوجلت

ومن مآثر المنتصر بالله، خلال فترة حكمه القصيرة، إحسانه إلى العلويين، وإزالته عنهم ما كانوا فيه من خوف وضيق في عهد أبيه المتوكل

المستعين بالله

هو أحمد بن المعتصم، تولى الخلافة في السادس من ربيع الآخر سنة 248هـ = يونيو سنة 862م، وعمره ثمانٍ وعشرون سنة، فعقب وفاة المنتصر اجتمع الأتراك بزعامة بُغا الصغير وبُغا الكبير، وقرروا عدم تولية أحد من أولاد المتوكل الخلافة، خوفًا من انتقامه منهم، وبايعوا أحمد بن المعتصم، الملقَّب بالمستعين بالله، و كان من الطبيعي ألا يكون للمستعين بالله مع الأتراك أمر ولا نهى، ولم يمضِ وقت طويل حتى غضب عليه الأتراك وقرروا خلعه ومبايعة المعتز بالله محمد بن المتوكل؛ فاشتعلت الحرب بين أنصار المستعين وأنصار المعتز، وانتهت بالقبض على المستعين وقتله في سجنه في شوال سنة 251 هــ = ديسمبر سنة 866م

و قد شهدت خلافة المستعين بالله قيام الدولة العلوية بطبرستان سنة 250هـ = 864م، على يد الحسن بن زيد العلوى الملقب بالداعى الكبير، واستمرت هـذه الدولة حتى سنة 316هـ = 928م

المعتز بالله محمد بن المتوكل

بويع له بالخلافة في شوال سنة 251 هــ = ديسمبر سنة 866م، وعمره تسعة عشر عامًا، وقد استضعفه الأتراك وطلبوا منه مالاً فاعتذر لهم بفراغ بيت المال، فثاروا عليه وضربوه ومزقوا ملابسه، وأقاموه في الشمس، فكان يرفع رجلاً ويضع أخرى من شدة الحر، ثم سجنوه وعذبوه حتى مات في شعبان سنة 255هـ = يوليو سنة 869م

و كان من أهم الأحداث التي شهدتها خلافة المعتز قيام الدولة الصفَّارية في فارس بزعامة يعقوب بن الليث الصفَّار وذهاب أحمد بن طولون إلى مصر سنة 254هـ = 868م نائبًا عن واليها، لكنه استطاع في فترة لاحقة أن يستقل بها عن العباسيين، وأن يضم إليها الشام مكونًا بذلك الدولة الطولونية في مصر والشام

المهتدى بالله محمد بن الواثق

بايع الأتراك المهتدى بالله خليفة للمسلمين فيرجب سنة 255هـ = يونيو سنة 869م، عقب الإطاحة بالمعتز، وقد كان المهتدى تقيا شجاعًا حازمًا، وكان يتخذ عمر بن عبد العزيز مثله الأعلى، ويقول: إنـي أستحيى أن يكون في بنى أمية مثله، ولا يكون مثله في بنى العباس، ولذلك نبذ الملاهي وحرَّم الغناء والخمور وحارب الظلم

حاول المهتدى بالله أن يوقف طغيان الأتراك واستبدادهم فقتل بعضهم، فثاروا عليه وأسروه وعذبوه ليخلع نفسه فرفض، فقاموا بخلعه وسجنه وتعذيبه حتى مات في رجب سنة 256هـ = يونيو 870م. وقد كان من أهم الأحداث التي شهدها عصر المهتدى بالله

ثورة الزَّنج: وسُميت بذلك لأن أعدادًا كبيرة من الذين شاركوا فيها كانوا عبيدًا سودًا، واندلعت هذه الثورة في البصرة بزعامة على بن محمد، الذي قيل إنه ينتسب إلى آل البيت، وحققت مكاسب سياسية ومادية؛ فاستولت في مدة قصيرة على بعض المدن المهمة في العراق، مثل البصرة وواسط والأهواز، ووصلت إلى البحرين وهجر، وارتكبت مذابح بشعة ضد السكان الآمنين، وقد استطاع القائد العباسي الموفق طلحة بن المتوكل القضاء على هذه الثورة -فيما بعد- سنة 270هـ = 883م في خلافة أخيه المعتمد على الله

المعتمد على الله، وصحوة الخلافة

تولى المعتمد على الله أحمد بن المتوكل الخلافة بعد خلع المهتدى سنة 256هـ = 870م، وقد أتاحت الظروف التي تولى فيها المعتمد مقاليد الحكم ظهور ما عُرف باسم صحوة الخلافة في العصر العباسي الثاني

فقد تصاعد النزاع الداخلي بين القادة الأتراك، وساءت معاملتهم لجنودهم، كما ازدادت شكوى الجمهور من مضايقاتهم، مما أدى إلى ظهور اتجاه قوى داخل الجيش بحتمية جعل القيادة العسكرية العليا في يد أحد أمراء البيت العباسي؛ يقوم الخليفة باختياره، ويدين له الجميع بالطاعة، وقد اختار المعتمد أخاه الموفق قائدًا للجيش، فكانت صحوة الخلافة؛ حيث استردت قوتها وهيبتها واستطاع الموفق بحكمته وحزمه وصلابة إرادته أن يكبح جماح الأتراك، وأن يعيد تنظيم الجيش، ويقر الأمن والنظام

و رغم أن المعتمد بالله كان الخليفة الرسمي فإن أخاه الموفق كان صاحب السلطة الفعلية، فكان له الأمر والنهى، وقيادة الجيش ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثغور، وتعيين الوزراء والأمراء، وكان قضاء الموفق على ثورة الزنج سنة 270هـ = 883م أعظم إنجاز له

و قد تُوفي الموفق في صفر سنة 278هـ = مايو سنة 891م، وفي العام التالي تُوفي الخليفة المعتمد في رجب سنة 279هـ = سبتمبر سنة 892م، بعد أن حكم البلاد ثلاثة وعشرين عامًا. وقد حفل عهده بالعلماء الأعلام في مجالات المعرفة المختلفة

المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق

تولى الخلافة بعد وفاة عمه المعتمد، وكان قوى الشخصية؛ فحفظ هيبة الخلافة، كما كانت في عهد أبيه الموفق وعمه المعتمد، يقول السيوطى: كان المعتضد شهمًا جلدًا، موصوفًا بالرُّجلة أى الشجاعة، وقد خاض الحروب وعُرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس ورهبوه أحسن رهبة، وسكنت الفتن في أيامه لفرط هيبته، وكانت أيامه طيبة كثيرة الأمن والرخاء

و قد تمكن المعتضد خلال حكمه الذي دام عشر سنوات من تهيئة المزيد من القوة والاستقرار للدولة العباسية، فقضى على مصادر الفتن والثورات، وأخمد ثورة بنى شيبان بأرض الجزيرة سنة 280هـ = 893م، و ثورة حمدان بن حمدون – رأس الأسرة الحمدانية – بالموصل، واستولى على قلعة ماردين التي كان يتحصن بها سنة 281 هــ = 894م، كما قضى على ثورة الخوارج في الموصل بزعامة هارون بن عبد الله الشارى الذي وقع في الأسر، وأمر المعتضد بضرب عنقه سنة 281 هــ =896م، ومن أخطر الحركات التي شهدها عصر المعتضد

حركة القرامطة

و ترجع بداية هذه الحركة إلى عام 278هـ = 891م قبل تولِّى المعتضد الخلافة بعام، حين قدم إلى الكوفة رجل اسمه حمدان ولقبه قَرْمَط، تظاهر بالعبادة والتقشف والدعوة إلى إمام من آل البيت، فلقيت دعوته صدى كبيرًا عند أنصار آل البيت، وحين خمدت سيطرته الروحية عليهم أخذ يبث فيهم أفكارًا غريبة عن الإسلام، منها: الشهادة بأن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله، وأن القبلة إلى بيت المقدس، وأن النبيذ حرام والخمر حلال، وغير ذلك من الأفكار الشاذة

و قد اشتد خطر هذه الحركة بعد ظهور زعيمها أبى سعيد الجنَّابى في البحرين سنة 286هـ = 899م؛ حيث استطاع بسط سلطانه على البحرين وهجر، وكسب أنصارٍ كثيرين له في المناطق التي ينتشر فيها التشيع. وقد تحولت البحرين إلى مركز رئيسى للقرامطة، خرجت منه حملاتهم الحربية في اتجاه العراق و الحجاز والشام؛ لنشر أفكارهم الهدامة التي تهدف إلى هدم كيان المجتمع الإسلامي، وبسط نفوذهم بواسطة خداع العامة بمبادئ وشعارات براقة، كالعدالة والمساواة والبساطة، ومساعدة الآخرين، ولم تدرك الخلافة العباسية مدى الخطورة التي تنطوى عليها هذه الحركة، ووجهت جهودها الحربية إلى حركات أخرى تبدو أكثر منها خطورة، مثل الحركة الصفارية و الطولونية وغيرهما، ومن هنا لم تظفر هذه الحركة من الخليفة المعتضد - الذي عاصر بدايتها الأولى - بما تستحقه من اهتمام

انتقال عاصمة الخلافة إلى بغداد

ظلت مدينة سامراء أو سر من رأى عاصمة الخلافة العباسية منذ حوالى سنة 221 هـ = 836م – في خلافة المعتصم بالله – إلى أوائل خلافة المعتضد الذي بنى القصر الحسنى ببغداد، وقرر انتقال عاصمة الخلافة إليها سنة 280هـ = 893م

وفاة المعتضد

تُوفي المعتضد في ربيع الآخر سنة 289هـ = 902م، وكان عصره يموج بالحركة العلمية والدينية والأدبية، فقد عاش في عصره عدد من العلماء والأدباء البارزين

المكتفي بالله علي بن المعتضد

تولى الخلافة في ربيع الآخر سنة 289هـ = مارس سنة 902م عقب وفاة أبيه، وعمره خمس وعشرون سنة، ورغم أنه كان حسن السيرة محبوبًا لدى الرعية فإنه لم يكن يتمتع بما كان يتمتع به أبوه المعتضد، من قوة الشخصية والحزم، فكانت خلافته تمهيدًا لعودة الأمور إلى أوضاعها السابقة، وفترة انتقالية بين صحوة الخلافة وانتكاستها

و قد شهد عهد المكتفي أحداثًا كثيرة، منها: ازدياد خطر القرامطة وتهديدهم للشام والحجاز واليمن، وقد جرت على يد زعيمهم زكرويه بن مهرويه مذابح بشعة ضد حجاج بيت الله الحرام وعامة الناس، ونشروا الفزع في أنحاء العالم الإسلامي، واستطاع زكرويه أن يهزم جيشًا للخليفة المكتفي، وأن يقتل منه عددًا كبيرًا، فأعد له المكتفي جيشًا حشد فيه أكفأ القواد، نجح في قتل زكرويه وكثيرًا من أتباعه عام 294هـ = 907م، وتتبعهم في العراق، ولكنه لم يستطع القضاء عليهم تمامًا، فظلوا من بعده مصدر خطر مؤكد على كيان الخلافة

و مما شهده عصر المكتفي أيضًا من أحداث: تولية المكتفي أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبى ولاية الموصل والبلاد التابعة لها سنة 291 هـ =906م، وكان ذلك مقدمة لاستقلال الحمدانيين بالموصل -فيما بعد- وضمهم حلب إليها، ونشأة الأسرة الحمدانية

وفاة المكتفي

تُوفي المكتفي وفاة طبيعية في ذى القعدة سنة 295هـ = أغسطس سنة 908م، وترك خزانة الدولة ممتلئة بالأموال، وقد أرجع المؤرخون ذلك إلى الجهد الذي بذله أبوه المعتضد في جلب أسباب الاستقرار الاقتصادي إلى الدولة، وحسن سيرة المكتفي بالله

المقتدر بالله جعفر بن المعتضد

تولى الخلافة بعد أخيه المكتفي بعهد منه في ذى القعدة سنة 295هـ = أغسطس سنة 908م، وكان صبيا في الثالثة عشرة من عمره، ولم يلِ الخلافة قبله أصغر منه. أثار تولى المقتدر الخلافة اعتراض كثير من رجال الدولة بسبب صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود الأقدر منه على تحمل المسئولية، خاصة عبد الله بن المعتز الشاعر المعروف بتمام العقل وجودة الرأي، فاتفق رأى عدد منهم على خلع المقتدر و تولية عبد الله بن المعتز، وكان عمره نحو تسعة وأربعين عامًا، وعندما عرضوا الأمر على ابن المعتز وافق بشرط ألا يسفك دم أو تنشب حرب، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وتمت البيعة لابن المعتز في 19من ربيع الأول سنة 296هـ = نوفمبر سنة 908م، ولقب بالراضي بالله، ولكن أنصار المقتدر - وعلى رأسهم مؤنس الخادم - لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجهوا نحو ابن المعتز وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب المقتدر في اليوم التالي لبيعة ابن المعتز، الذي لم يمكث في الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرخون عند ذكرهم قائمة خلفاء بنى العباس

و قد تدهورت الأوضاع في عهد المقتدر، وانتشرت الفتن وازداد تمزق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه، وأفلت زمام الأمور من يده، و تحكم النساء والخدم في شئون البلاد، فكانت أم المقتدر وتسمى شغب تولِّى من تشاء وتعزل من تشاء، كما كان مؤنس الخادم صاحب مكانة متميزة وخطيرة في عهد المقتدر

و قد ازداد خطر القرامطة اتساعًا وعنفًا في عهد المقتدر، ووصل مداه سنة 317هـ = 929م، حينما دخلوا مكة بقيادة أبى طاهر القرمطى وقتلوا الحجاج في المسجد الحرام، واستولوا على الحجر الأسود وأخذوه إلى مركزهم الرئيسى هَجَر حتى تم رده إلى مكانه في عهد المطيع سنة 339هـ = 950م

بداية ظهور الفاطميين

و من أهم الأحداث في عهد المقتدر بداية ظهور العُبيديين أو الفاطميين في شمالى إفريقيا ويرجع الفضل في قيام الدولة الفاطمية إلى أبى عبد الله الحسين بن أحمد، المعروف بأبى عبد الله الشيعى، أحد دعاة الفاطميين البارزين في المغرب وكان يعرف أحيانًا باسم المحتسب؛ لأنه كان مراقبًا لأسواق البصرة بالعراق قبل انتقاله إلى المغرب. وقد تمكن أبو عبد الله الشيعى من القضاء على دولة الأغالبة في المغرب، والاستيلاء على عاصمتهم رقادة سنة 296هـ = 909م، وتم تنصيب أول إمام من أئمة الفاطميين وهو عبيد الله المهدى -وكنيته أبو محمد- الذي قيل إنه من سلالة الإمام الحسين بن على بن أبى طالب

و قد تلقب عبيد الله المهدى بأمير المؤمنين، وبنى مدينة المهدية عاصمةً له، وانتقل إليها من رقادة سنة 308هـ = 920م، وقد نجح الفاطميون في الاستيلاء على مصر سنة 358هـ = 969م، في عهد الخليفة الفاطمى المعز لدين الله

قيام دولة بنى حمدان

و من الأحداث المهمة التي شهدها عهد المقتدر - أيضًا - قيام دولة بنى حمدان في الموصل، فقد استمر أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان يحكم الموصل والبلاد التابعة لها من قِبل الخليفة المكتفي حتى وفاته سنة 317هـ = 929م، فورثه ابنه حسن الملقب ناصر الدولة على ولاية الموصل، واستطاع أن يمد سلطانه إلى ديار ربيعة ومضر بأرض الجزيرة، وقد اتسع نفوذ الحمدانيين وملكهم بعد وفاة الخليفة المقتدر، ونجحوا في بسط سلطانهم على حلب وشمال الشام سنة 331 هـ = 945م بقيادة زعيمهم المعروف سيف الدولة الحمدانى، الذي قال فيه المتنبى أروع قصائد المديح

و قد أسهم أمراء بنى حمدان وفي مقدمتهم سيف الدولة الحمدانى في صد غارات الروم البيزنطيين عن مناطق الثغور الإسلامية، وفي رعاية الحركة العلمية والأدبية التي بلغت في عهدهم مركزًا مرموقًا

وفاة المقتدر بالله

ساءت العلاقة بين المقتدر بالله وخادمه مؤنس الخادم؛ مما أدى إلى مقتله على يد أنصار مؤنس في أواخر شوال سنة 320هـ = 932م، بعد أن ظل في الحكم خمسًا وعشرين سنة، هي أطول مدة يقضيها خليفة عباسي في الحكم حتى عصره

و رغم تدهور أحوال البلاد السياسية في عهد المقتدر فإن الحياة العلمية قد شهدت ازدهارًا ملحوظًا في هذا العصر. وبمقتل المقتدر دخل عصر نفوذ الأتراك مراحله الأخيرة

القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد

تولى الخلافة في شوال سنة 320هـ = 932م، عقب مقتل المقتدر، وعمره ثلاث وثلاثون سنة

وقد اتصف القاهر بالغلظة وقلة التثبت، ورغم أنه نجح في التخلص من مؤنس الخادم، صاحب النفوذ الأكبر في عهد المقتدر، ومن غيره من أعيان الدولة فإن سوء سياسته كان سببًا في تدبير الانقلاب عليه والإطاحة به

و قد لعب الوزير المشهور أبو على بن مقلة الدور الأساسي في خلع القاهر والتنكيل به، لخوفه منه واعتقاده أنه كان يدبر للقضاء عليه، فهاجم أعوانه الخليفة القاهر في دار الخلافة وقبضوا عليه وسملوا عينيه وعذبوه وأعلنوا خلعه في الثالث من جمادى الأولى سنة 321 هـ = 934م

و لعل من أبرز التطورات السياسية التي شهدها عهد القاهر -رغم قصره- ظهور النفوذ البويهى في بلاد فارس سنة 321 هـ = 933م، وكان ذلك مقدمة لامتداد نفوذهم إلى العراق وسيطرتهم على مقاليد الأمور هناك في سنة 334هـ = 945م، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الخلافة العباسية في عصرها الثاني، كما سنبين بعد قليل

الراضي بالله أبو العباس محمد بن المقتدر

بايع الجند الراضي بالله في السادس من جمادى الأولى سنة 321 هـ وعمره خمسة وعشرون عامًا، وقد كان من خيار الخلفاء، فاضلاً سمحًا جوادًا،شاعرًا محبا للعلماء

ورغم ما كان يتحلى به الراضي من صفات حميدة فإن أمر الخلافة قد اختل في عهده اختلالاً خطيرًا، وازداد تمزق الدولة واستفحل نفوذ المتطلعين للسيطرة على زمام الأمور؛ فقد ازداد نفوذ البويهيين في فارس وتطلعوا للاستيلاء على العراق، وتمتع بنو حمدان بنفوذ مطلق في الموصل وديار بكر وربيعة ومضر، واستقلت الدولة الإخشيدية في مصر والشام عن الخلافة العباسية، وكذلك الدولة السامانية في خراسان وما وراء النهر بزعامة نصر بن أحمد السامانى، وأصبح للأمويين خلافة مستقلة في الأندلس تحت حكم عبد الرحمن الثالث الأموى الملقب بالناصر 300 - 350هـ = 913 - 961م، وسيطر القرامطة بزعامة أبى طاهر القرمطى على البحرين واليمامة

ظهور منصب أمير الأمراء

و تدهورت الأوضاع في أوائل عهد الراضي تدهورًا كبيرًا، بسبب عجز الوزراء وازدياد نفوذ كبار القواد وتدخلهم في شؤون الدولة، وكان محمد بن رائق والى واسط والبصرة واحدًا من أبرز هؤلاء القواد وأكثرهم نفوذًا وتأثيرًا، فاختاره الخليفة الراضي ليقوم بمهمة إنقاذ الخلافة من التدهور الإداري الحاد الذي تعانى منه، وأسند إليه منصب أمير الأمراء في عام 324هـ = 936م

و قد أصبح محمد بن رائق بمقتضى هذا المنصب الخطير الذي لم يظهر قبل ذلك على مسرح الأحداث السياسية في الدولة الإسلامية، القائد الأعلى للجيش، والمسئول عن إدارة شئون الدولة والخراج، وأصدر الخليفة الراضي أمرًا بأن يُخطَب لابن رائق على جميع المنابر في جميع النواحي الخاضعة للخلافة، وبذلك تحولت الخلافة إلى منصب شرفي، وأصبح شاغل منصب أمير الأمراء هو الحاكم الفعلي للبلاد؛ مما جعل كبار رجال الدولة أمثال أبى عبد الله البريدي صاحب الأهواز، وبَجْكم التركي، وناصر الدولة بن حمدان صاحب الموصل، وتوزون التركي رئيس الشرطة وغيرهم، يتصارعون للوصول إليه، حتى جاء البويهيون فسيطروا على زمام الأمور ووضعوا حدا لهذا الصراع

و قد تُوفي الخليفة الراضي بالله وفاة طبيعية في منتصف ربيع الأول سنة 329هـ = ديسمبر سنة 940م، بعد أن فقد السيطرة على مقاليد الأمور بصورة تكاد تكون كاملة

المتقى لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر

تولى الخلافة في ربيع الأول سنة 329هـ = ديسمبر سنة 940م بتدبير أمير الأمراء بَجْكم التركى وكاتبه أبى عبد الله الكوفي، وكان عمره حينئذٍ أربعًا وثلاثين سنة

و قد كانت خلافة المتقى القصيرة 329 - 331 هـ = 940- 944م سلسلة من الصراع بين كبار رجال الدولة على منصب أمير الأمراء، مما أضاف مزيدًا من الاضطراب والفوضى إلى الأوضاع الداخلية، وفقد المتقى سيطرته على زمام الأمور، فقام أمير الأمراء توزون التركى بسمل عينيه وخلعه، وبذلك انتهت خلافته في صفر سنة 331 هـ =سبتمبر سنة 944م

المستكفي بالله وانتهاء عصر نفوذ الأتراك

تمت بيعته بالخلافة في صفر سنة 331 هـ = سبتمبر سنة 944 بحضور أمير الأمراء توزون التركى وإشرافه، وعمره واحد وأربعون عامًا ولم يكن له أدنى سلطة في إدارة شئون البلاد، بل استمر زمام الأمور في يد أمير الأمراء أبى الوفاء توزون التركى، وكاتبه أبى جعفر بن شيرزاد، وكان من أبرز الأحداث التي شهدتها خلافة المستكفي بالله امتداد سلطان الحمدانيين بقيادة سيف الدولة الحمدانى على حلب وحمص اللتين كانتا تحت سيطرة الإخشيديين

و تدهورت الأحوال الداخلية في عهد المستكفي بشكل غير مسبوق؛ مما أدى إلى تطلع البويهيين –أصحاب النفوذ في بلاد فارس- منذ سنة 321 هـ = 933م إلى بسط سلطانهم على العراق، وقد نجحوا في ذلك سنة 334هـ = 945م، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ العصر الثاني للخلافة العباسية، عُرفت فيما بعد باسم عصر نفوذ البويهيين

الدول التي استقلت عن الخلافة العباسية في عصر نفوذ الأتراك

لم ينحصر ظهور الحركات الاستقلالية في عصر نفوذ الأتراك، بل ظهرت هذه الحركات منذ فجر الخلافة العباسية، فاستقل عبد الرحمن الداخل بالأندلس سنة 138هـ = 755م في عهد أبى جعفر المنصور، وقامت دولة الأدارسة في المغرب الأقصى على يد إدريس بن عبد الله، ودولة الأغالبة على يد إبراهيم بن الأغلب في تونس، في عهد هارون الرشيد

و في خلافة المأمون تأسست الدولة الطاهرية في خراسان على يد طاهر بن الحسين قائد المأمون المشهور، وكانت دولتا الأغالبة، والطاهرية تدينان بالولاء الأسمى للخليفة العباسي، وقد مرت إشارات سريعة إلى الدول التي استقلت عن الخلافة في عصر نفوذ الأتراك وهى : الدولة الصفَّارية، والسامانية والطولونية والإخشيدية والحمدانية ودولة القرامطة، والدولة الفاطمية، والبويهية







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76346


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 48897


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 47953


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 47541


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 43619


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 42643


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42235


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41132


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 39915


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37261


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى