الجمعة,13 يوليه 2012 - 05:56 ص
: 7112    

كتب ترجمة عبير الفقي الباحثة بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية
berbera72@yahoo.com

من وجهة نظرنا المحدودة القريبة من مسرحية لم تنته بعد ونخاطر بالتخمين أن عام 1990 كان بداية جريان المياه في السياسة الأفريقية ونقترح أن هذا العقد سيسجل على أنه لحظة منذره باتجاه في تحول السياسة الأفريقية مثل 1960 عام الاستقلال السياسي وعام 1966 عام الانقلابات العسكرية منذ نهاية عام 1989 وقف المواطنون الأفارقة وأصروا على قابلية حكامهم للمحاسبة.

fiogf49gjkf0d


وللتسوية جزئيا مع المطالب ومن ناحية لمحاولة منعها تبنت أغلبية الحكام الأفارقة (21 من عينة من 30) إجراءات أكثر حرية وتنافسية في الحكم. وكان هناك تراجعا مترددا للنمط السياسي المركزي في أفريقيا الذي استمر 30 عاما، وشرعت النخبة الحاكمة في تجربة قسم وتوزيع السلطة.  ولكننا نقول أنه لأغلبية الدول الأفريقية لا يرقى هذا التحرر السياسي للأنظمة الشمولية إلى مرتبة التحول الديمقراطي. ومعيار الانتخابات الحرة النزيهة، يشرع عدد محدود جدا من الدول الأفريقية في الدخول إلى طريق الديمقراطية. وحتى مايو 1991 تمت انتخابات أو حدد لها موعد في 15 دولة (جدول 2). ولكن حرصت النخبة الحاكمة أن تؤجل موعد الانتخابات إلى المستقبل البعيد (غينيا بيساو ومدغشقر) أو أن تكون مبهمة عن التاريخ المحدد في 199 أو 1992 (زامبيا وزائير). دولتين من 5 التي جرت فيها انتخابات تعددية بالفعل مخالفات في الدعاية والتصويت الفعلي تستدعي السؤال عن نزاهة الانتخابات. في كوت ديفوار والجابون زعم المعارضون مضايقتهم وتزوير الصناديق، وفي الجابون كانت الأصوات قريبا لدرجة أن التزوير لم يكن ليؤثر على النتيجة النهائية للانتخابات. وكما نستخلص لاحقا، فالنخبة السياسية الحاكمة تملك السيطرة على الموارد بدرجة تكفي للتأثير على مجريات الانتخابات في صالحها. نتيجة الانتخابات التي جرت لا تعطي أي ضمانات أن السياسة التعددية سترسخ. في كوت ديفوار والجابون عاد الحكام الذين بقوا طويلا في السلطة: اختار هوفيه أن يستمر على أسلوبه الشخصي والاستبدادي
في الحكم، وسعى بونجو الأقل استقرارا إلى إدخال أحزاب المعارضة في الحكومة وبالتالي إحياء أيديولوجية الوحدة الوطنية المرتبطة بحكم الحزب الواحد.

ولكن أدت الانتخابات التعددية إلى نتائج مميزة في بدايات 1991. في ثلاث دول أفريقية – كبي فيردي في فبراير وساو تومي وبنين في مارس – تم إخراج الرؤساء من السلطة عبر الانتخابات. وكانت الانتخابات التي تمت بمراقبة دولية في بنين، المرة الأولى التي يخرج فيها رئيس دولة في أفريقيا جنوب الصحراء من الرئاسة عن طريق الانتخابات في فترة ما بعد الاستقلال. وفي هذه الحالات الثلاث التي تمت فيها انتخابات حرة ونزيهة – صار التحدي إذا ما كان الحكومة والمجتمع سيتمكنان من ترسيخ مؤسسات الديمقراطية.

وبالنسبة لباقي أفريقيا، تبقى عملية الانتقال إلى الديمقراطية محل خلاف. لأسباب ترجع إلى التفسيرات الهيكلية والانتشارية والجزئية للتغير السياسي التي ناقشناها بالأعلى، يجب أن تكون نظرتنا للأمور بتشكك كبير.

أولا نلاحظ أن القيود الهيكلية في أزمة أفريقيا الاقتصادية. كما لاحظ معلق حاد: "الجهد لتعزيز الديمقراطية وسط محنة اقتصادية حادة غير مسبوق في التاريخ." وسواء استطاع الحكام الشموليون الحاليون البقاء ستبقى هناك حاجة لتعديلات اقتصادية. وأيا من يصل إلى السلطة سيواجه اختلال في الاقتصاديات الكلية وسيكون لديه قليل من الخيارات إلا أن يستمر ببعض سياسات التقشف. ولأن التكلفة الاجتماعية دائما تقع على مصالح سكان المدن والموظفين، فإن هذه المجموعات ستشعر بالغربة عن أي حكومة حتى لو منتخبة بصورة ديمقراطية.

ولهذا فإن مطالب المحتجين الأفارقة محيرة قليلا لأنها تجمع بين مطالب للمشاركة في الدخل القومي وأيضا التعددية الحزبية والديمقراطية. ويمكن أن نعزو هذا جزئيا للحاجة لتبرير المطالب الفئوية. أو ربما ستقبل الشعوب الأفريقية سياسات التقشف بصورة أكبر بمجرد أن تتم مناقشتها بحرية وتنفذها حكومة منتخبة. ولكن مطالب المحتجين من الممكن أن تكون متناقضة ولا يمكن التوفيق بينها. وعلى الأقل في المستقبل القريب ستواجه أي حكومة أفريقية الاختيار الحتمي بين الإصلاح السياسي والاقتصادي، بين النمو والديمقراطية.

ثانيا، نشك أن النتائج الديمقراطية التي انتشرت في أوروبا الشرقية ستنتشر في أفريقيا بصورة أوتوماتيكية. نسمات الحرية القادمة من تلك المنطقة هي بالتأكيد مصدر إلهام للطبقات الوسطى والعاملة في مدن أفريقيا الكبرى. ولكن هذه الطبقات أقلية في أفريقيا تجلس على قمة مجتمع زراعي يتكون بالأساس من المزارعين قليلي التعليم وذاتيي التمويل. ومن ناحية التركيبة الاجتماعية و(نقص) التجربة الديمقراطية، فلا تشبه الدول الأفريقية المجتمعات الصناعية في بولندا وألمانيا الشرقية، وتشيكوسلوفاكيا، ولكنها تماثل بصورة أكبر المجتمعات الزراعية في رومانيا، والصين وكوريا الشمالية. ومن الواقعية أن نذكر أن هذه الدول إما لم تشهد أي احتجاجات (كوريا الشمالية) أو قضت سلطة الحكومة على الاحتجاجات فيها بصورة وحشية (الصين) أو اختطفتها عصبة من داخل النظام الحاكم (رومانيا). ولم ترتبط جموع المجتمعات الزراعية في أي من هذه الدول بقيم الديمقراطية أو تعي الأحداث التي تحدث في العاصمة والعالم لإزالة الغموض عن بيان الحكومة عن الأحداث أو مواجهة قمعها.

وأخيرا، تحليلنا للديناميكيات الممكنة للاحتجاجات والإصلاح في أفريقيا جنوب الصحراء تصل بنا إلى استنتاج أن النخبة السياسية تحتفظ بميزات أكثر من جموع المحتجين. ومهما أضعفت شرعيتهم السياسية أو قاعدتهم الاقتصادية، يتمكن القادة السياسيون من تعبئة موارد الدولة ضد الأعداء غير الحكوميين. منذ لحظة إعلان الانتخابات التعددية سيضع الحكام الحاليون العراقيل في طريق أحزاب المعارضة. سيتحرشون بالمعارضين في حملات الدعاية، على سبيل المثال عن طريق منعهم من عقد لقاءات جماهيرية أو تقييد وصولهم إلى الإعلان أو التغطية الصحفية. وسيستغلون كل موارد الدولة في خدمة حملاتهم الخاصة، على سبيل المثال عن طريق نقل المؤيدين إلى الحملات وأماكن الاقتراع في عربات حكومية. وكذلك يغض الحكام الطرف عن المضايقات العنيفة حينما تصدر عن مؤيديهم. وأخيرا فالجيش هو البطاقة الرابحة في العملية الانتقالية، فيمكن أن يتدخل لإسراع أو لإيقاف الإصلاح. يمكن للجيش أن يخلع حاكما مدنيا غير محبوب ويستجيب إلى المطالبات بانتخابات تعددية (كما حدث في مالي في مارس 1991)، أو يمكن أن يعتقل شخصيات من المعارضة ويؤجل الانتخابات (كما حدث في الجزائر في يونيه 1991). وبالمقارنة بقوة الحكومة، فحركة المعارضة ضعيفة في أفريقيا. وفي بعض الأحيان تعتبر أكثر بقليل من تعبير عفوي عن مصالح متناثرة لسكان المدن، بدءا من موظفي الحكومة المميزين إلى العمال المطحونين في العشوائيات. وقلما تنتظم هذه العناصر في مؤسسات رسمية مثل الكنائس والنقابات العمالية والمهنية لها موارد مستقلة وصوت سياسي للسعي إلى مصالح محددة. ونادرا ما تتجمع عبر المجتمع المدني وتكون تحالف بديل للحكم له قاعدة مستدامة متعددة الطبقات ورؤية واضحة للحكم. من الصعوبة بمكان قياس كفاءة الحركة المعارضة الجديدة في أفريقيا. المعلومات غير الكاملة حتى اليوم ترجح أن القوى المدنية تفتقر إلى الموارد السياسية والتنظيمية لتحل محل الأحزاب الحاكمة، وخصوصا بسبب المزايا التي تعطيها المناصب للأخيرة. والأخطر أننا نرى مؤشرات ضئيلة أن المعارضة ستتمكن من تعزيز باقة بديلة من القيم السياسية التي ستمكنها من إحداث تغيير في طريقة الحكم. جذور الاحتجاجات في جهود لحماية مميزات الشركات وقاعدتها الضيقة من البورجوازيين تثير حفيظتنا عن التقشف الاقتصادي. انتهازية قادة المعارضة السياسية، وأتباعهم المخلصين، وصلاتهم بالنخبة الحاكمة الحالية ترجح أن تغيير القيادة سيؤبد نمط المحسوبية "السياسية كالعادة".ولكن حفزت المعارضة الاحتجاجات والإصلاح، وخلال هذا وضعت قضايا جديدة على الأجندة السياسية في أفريقيا. ويتضمن هذا الاعتراف بالحريات المدنية والسياسية، نهاية القوانين العشوائية واقتضاء الدولة، وشفافية ومحاسبة أكبر في صنع القرار السياسي. وعرض هذه الموضوعات في الحوار العام المفتوح يمكن أن يكون السمة الأبرز في جريان المياه في السياسة الأفريقية عام 1990. وعلى الرغم أنة لم يظهر اى  تحالف بديل للحكم في معظم الدول، فإن الأفكار السياسية التي تدعم مثل هذه التحالفات ظهرت لأول مرة هناك.







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76345


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 48897


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 47953


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 47541


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 43618


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 42643


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42235


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41132


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 39915


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37261


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى