الجمعة,13 يوليه 2012 - 06:02 ص
: 19610    

كتب ترجمة عبير الفقي الباحثة بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية
berbera72@yahoo.com

ما الذي يفسر اتخاذ القرار بإجراء إصلاح سياسي وسرعة ومدى التطبيق التاليين نرجع إلى فرضية البداية أن الذي يدفع القادة هو الرغبة في البقاء في السلطة وهم يقدرون الموارد السياسية الموجودة تحت تصرفهم في كل مرحلة من مراحل عملية الإصلاح ويزنون الطريقة المثلى لاستخدامها في البقاء السياسي.

fiogf49gjkf0d


 وهذه الحسابات بالضرورة غير كاملة، وخصوصاً في مناخ الحيرة الذي تفرزه فترات التخمر تلك. وينبغي أن تفهم قرارات الزعماء الأفارقة بين 1989-1991 والتي أحدثت زخما من خلال هذا السياق. ففي كل الحالات تقريبا حدث الإصلاح السياسي بشكل تصاعدي في تسلسل من الوقف والابتداء، وصاحبته تنازلات متذمرة من النخبة تحت ضغط من المواطنين والدول المانحة والتي قاطعتها في بعض الأحيان قلة من المسئولين. وغالبا ما تحدث انفراجه في النظام الشمولي بدون نية صريحة من النخبة، ولكن بناء على قوة المعارضة يمكن أن تبطأ أو تتحول إلى مسارات أخرى أو حتى يوقفها القادة العنيدون. تفضل النخبة عادة بقاء الوضع الحالي على الذهاب إلى المجهول، ويسعون إلى غير ذلك فقط حينما تصبح مواقعهم مهددة للتحكم في التغير المحتوم. ويفسر هذا المنطق ما حدث من القادة في كل من بوركينا فاسو، وتوجو وزائير ودول أخرى، لاستباق انفجار الاحتجاجات عن طريق إعطاء وعود بالإصلاح.

ويتعامل القادة مع هذه الظروف بمهارات مختلفة. لقد فقد كيريكو وكاوندا زمام المبادرة حينما أساءوا تقدير قوة معارضيهم، ومقاومة كل المطالب، واضطروا للتراجع في كل مرحلة. ولكن موبوتو، المخطط البارع، تمكن من تملك زمام المبادرة وأذهل مواطنيه بباقة رائعة من الإصلاحات التي قام بتصميمها . وبالمثل، يختلف القادة في قيمهم وأساليبهم. لقد كان بول بايا يسرع من التحرر السياسي في الكاميرون ولكن وقف الجيش والحزب في طريقه. ومن ناحية أخرى بدا رد فعل موي للمعارضة على أنه قهر. وكان بعض القادة الآخرين مقيدين بالتزامات ماضية لأيديولوجية الديمقراطية، والتي ثبت أنها شيء يصعب التخلص منه. فكان مقاومة المطالبات بانتخابات تعددية أصعب على بايا وكاوندا اللذين طالما استمدا شرعيتهمامن حديثهما عن المشاركة، من راولينجس وباندا اللذين أسسا حديثهما على الثورية أو الأبوية.

واختلف القادة أيضا في مدى تحكمهم في الموارد المالية والمؤسسية. التحكم في الموارد يؤثر مباشرة على تماسك النخبة السياسية، وهو عامل – كما يشير نيلسون إلى الاستقرار الاقتصادي – يعد متغير خطير في تفسير إذا ما كان القائد سيتمكن من التحكم في عملية الإصلاح. وعلى المستوى المؤسسي، يسعى القادة إلى ترسيخ ولاء النخبة داخل المؤسسات القوية مثل الجيش والحزب والحركة العمالية، والانشقاقات من هذه القوى تؤدي إلى عملية الإصلاح . على سبيل المثال ساهم عدم الرضا في الجيش الإيفواري في إقناع هوفيه بضرورة التسوية، في حين حسم مصير كيريكو عندما بدأت عناصر من جيش بنين بالمطالبة بالرحوع إلى الثكنات. وفي حين بقيت الأحزاب الحاكمة على ولائها للقادة السياسيين في كينيا وتنزانيا، تراجع دعم الحزب الحاكم لكاوندا في زامبيا. وفي الكونغو وجمهورية أفريقيا الوسطى صارت الاحتجاجات العمالية قوة دافعة للإصلاح. يعتمد تماسك النخبة أيضا على الموارد المالية مثل العوائد الاختيارية المشتقة من سلطاتهم على أجهزة الدولة. الشبكات المصالحية التي بنى عليها السياسيون الأفارقة سلطتهم، قوضتها في السنوات الأخيرة اقتصاديات التقشف وإصلاحات السوق. وبالتالي صارت النظم أكثر عرضة للزعزعة وأقل قدرة على شراء الدعم وتحييد المعارضة. ونستخلص أن الزعماء في الدول الأقل في الموارد في الاقتصاد الزراعي مثل بوروندي وسوازيلاند قاومت الإصلاح بصمود لأنها لم تكن لديها الأسباب لإدارة عملية الإصلاح. وعلى النقيض، زعماء الدول الأغنى مثل زائير والجابون والكاميرون كان لديهم دخل ثابت من تصدير النفط والمعادن وربما خططوا أن بإمكانهم السيطرة على اللعبة السياسية حتى خلال وبعد الإصلاح. وهذه الاستراتيجيات أيضا لها مخاطرها بالنسبة لزعماء تلك الدول، ولكن لأن السلطة التنفيذية من الممكن أن تستخدم تقريبا في كل الحالات لمنع المعارضة، فضل بعض القادة عملية إصلاح يمكنهم التحكم فيها.

والمعونة الخارجية هي مصدر مالي إضافي خاصة بالنسبة للدول الأفقر في القارة. ما مدى تأثير الحديث الأخير عن الشروط السياسية للوكالات الغربية المانحة؟ ونشك في أن قدرة الدول المانحة على التأثير في الإصلاح السياسي في أفريقيا يتعلق باعتماد الدول على المعونات. فالقادة الذين يملكون مصادر أخرى مستقلة تحت تصرفهم على استعداد لرفض الضغوط الأجنبية لتبني سياسات مغايرة: عمر بونجو في الجابون الغنية بالنفط استطاع أن يستخف بالضغوط الفرنسية للإصلاح السياسي، وفي بنين اضطرت الحاجة الملحة لدفع رواتب موظفي الحكومة كيريكو إلى قبول جميع الشروط – بما فيها ترشيح نيسيفور سوجلو كرئيس وزراء تكنوقراط – والذي فرضته عليه فرنسا.

غيرت نهاية الحرب الباردة التوجه التسامحي للحكومات الغربية تجاه الحكم الشمولي والمخالفات من الحلفاء الاستراتيجيين وسمحت بالتعبير عن أهداف مثالية للسياسة الخارجية. تحدث مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون أفريقيا هيرمان كوهين في أبريل 1990 عن حاجة الدول الأفريقية للتحرك نحو الديمقراطية، وبالتالي خفضت الولايات المتحدة أو منعت المعونات العسكرية لهؤلاء الحلفاء الاستراتيجيين مثل كينيا والصومال وزائير. وحتى حينما كانت الولايات المتحدة تحدد أهدافها وأساليبها لدعم الديمقراطية تصرفت بعض الحكومات الأفريقية وكأنما فرضت الشروط السياسية. وأيضا عكست فرنسا أسلوبها طويل المدى للتدخل لدعم الزعماء ضد التهديدات السياسية في مستعمراتها القديمة.

وشجع رفض فرنسا لطلب هوفيه لإرسال قوات إلى أبيدجان في مايو 1990 ودعمها الصريح للديمقراطية في قمة لاباول الفرانكو-أفريقية في يونيه المجوعات المعارضة وأقنع الحكومات بقبول التسوية.ولكن الشروط السياسية أداة غير كاملة ولا ينبغي المبالغة في وصف تأثيرها. ففي كينيا، التصريحات الجريئة للسفير الأمريكي في صالح التعددية الحزبية شجعت المعارضة ولكنها أدت أيضا إلى زيادة تمسك الحكومة بموقفها. وفي دول أخرى لم تؤد المبادرات الضئيلة التي قامت بها الحكومة لإرضاء الدول الأجنبية المانحة إلى تغييرات سياسية حقيقية: جاءت وعود موبوتو بالديمقراطية كمبادرة لاسترضاء الدول المانحة، ولهزيمة المعارضة الداخلية. وفي غياب قوى محلية قوية للدفع للإصلاح فلن يستسلم الزعماء للضغوط الخارجية. وهذا هو وقت التركيز على الجانب الآخر للمعادلة وهو دور قوى المجتمع المدني في دفع التغيير السياسي.







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76439


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 49120


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48061


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 47641


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 43782


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 42741


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42311


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41210


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40005


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37362


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى