الجمعة,13 يوليه 2012 - 06:09 ص
: 19965    

كتب ترجمة عبير الفقي الباحثة بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية
berbera72@yahoo.com

من المغري أن نرجع أسباب الاحتجاجات إلى أسباب هيكلية كالأزمة الاقتصادية الطاحنة وفقدان الحكومات لشرعيتها ومن بداية السياسات الوطنية في أفريقيا دخل القادة في اتفاقات معلنة أن يكافئوا أتباعهم بثمار التنمية الاقتصادية وبعد تعطيل الانتخابات التنافسية الحقيقية لم يكن لدى الأنظمة العسكرية أو ذات الحزب الواحد أساليب لتجديد الشرعية سوى ضمان النمو الاقتصادي وعدالة التوزيع.

fiogf49gjkf0d

ولكن لكونها بعيدة كل البعد عن "الديكتاتورية التنموية" واجهت الدول الأفريقية 20 عاما من الانحدار الاقتصادي بانخفاض أسعار الصادرات وزيادة الواردات واستيلاء النخبة السياسية على الريع. خلال الثمانينات جعل الانحدار الاقتصادي الإجراءات التقشفية لتقليل الواردات وتقليص الإنفاق الحكومي ضرورة غالبا تحت شروط المانحون الأجانب.

وعلى الصعيد السياسي، أدت سياسيات التقشف والفساد إلى خرق العقد الاجتماعي بين الحكام الأفارقة وشعوبهم وأبعدت الحاكم عن القاعدة السياسية في المجتمع. وواجه موظفو الحكومة والقطاع العام انحدارا لا يرحم في مستويات المعيشة
ورأى طلبة الجامعات فرصهم المهنية تتأرجح بسبب عدم وجود وظائف حكومية، وغرق العاطلون عن العمل وأصحاب الأعمال الحرة في الفقر.

كانت الأزمة الاقتصادية وطريقة تناولها الخلفية الكلية للاضطرابات الحالية. وأشارت الاحتجاجات إلى الرفض الشعبي للديكتاتورية التنموية كنظام حكم. ولكنه من المضلل أن نفسر الأحداث السياسية في إطار اقتصادي فحسب. أولا: ليس هناك علاقة طردية بين حدة الاضطرابات السياسية وسوء الأحوال الاقتصادية أو حدة الإجراءات التقشفية. بعض الدول مثل تنزانيا وغينيا بيساو كان لديها مشاكل اقتصادية عميقة ولكن لم تكن لديها احتجاجات أو شهدت احتجاجات قليلة. ولكن اجتاحت الاحتجاجات والاعتصامات دول أغنى مثل كينيا والكاميرون والجابون وزيمبابوي. ثانيا: يفشل التفسير الاقتصادي في تفسير لماذا حدثت الاحتجاجات في الوقت الذي حدثت فيه. فبعض الحكومات فرضت إجراءات التقشف منذ أزمة البترول في 1973، وأي تفسير يجب أن يوضح لماذا لم تحدث الاحتجاجات حتى ربيع عام 1990. وأخيرا، فالاحتجاجات الاقتصادية حدثت من قبل دون أن تؤثر على النظام الحاكم ويجب على التحليلات أن نفسر لماذا لم تعد الحكومات قادرة على استيعاب أو عزل الجموع الساخطة. ولذا فالظروف الاقتصادية يمكن أن تشرح السياق الذي جرت فيه الاحتجاجات ولكنها لا تفسرها بشكل كامل.

وبالتأكيد أن المحتجين بعد عام 1989 توجهوا بوضوح في اتجاه سياسي. وكان موضوع فساد النخبة الحاكمة عاملا مساعدا على تحول الصعوبات الاقتصادية الضيقة إلى مطالبات سياسية كبيرة. بدأ المحتجون في الربط بين السقطات الاقتصادية وانعدام المحاسبة بالنسبة لأنظمة الحزب الحاكم. وبدلا من الضيق من انخفاض أسعار السلع أو السياسيات الغربية لحماية سلعهم، صبوا اللوم في الأزمة الاقتصادية على المحسوبية والوساطة. وكان ما وراء هذه التهمة الفكرة أن إدارة أفضل وأكثر نزاهة ستجعل الإجراءات التقشفية غير ضرورية. وكان فساد النخبة السياسية الهدف الذي تحركت من أجله الكراهية الشعبية، ولكن هذا الموضوع لم يضع نفسه مباشرة في برنامج سياسي. الاتهامات بالمخالفة أدت إلى مطالبات بخلع القادة السياسيين، وأكثر قليلا. ولم يكن واضحا كيف تغير القادة السياسيين وتنشئ نظام حكم قابل للمحاسبة.

وفي هذا الفراغ الأيديولوجي والبرامجي، رفع قادة المعارضة فكرة الديمقراطية متعددة الأحزاب كشعار مناسب يمكن تجميع المطالبات السياسية الناقصة تحته. ولاقت فكرة التعددية السياسية دعم الجماهير حيث كانت على العكس تماما من النظام الحالي. ولكن ما صاغه المحتجون الأفارقة كان يمثل أكثر بقليل من عدم الرضا عن النظام الحالي. وكما وضعه أحد التحليلات الصحفية فإن: "الكثير من الأفارقة فقراء الآن لدرجة أنهم على استعداد أن يدعموا أية فكرة طالما أنها تتضمن التغيير. مزيد من الأحزاب؟ جيد، طالما أن شيئا ما تغير."

هل كانت هناك تأثيرات انتشارية؟

لطالما حمل العديد من الأفارقة عدم الرضا عن النظام ذو الحزب الواحد، وكانوا يرون أنه أداة للحكم العشوائي واكتساب الأموال. ولكن كان القليل من المفكرين على استعداد للمخاطرة بالتعبير عن هذا بسبب الخوف من انتقام من في السلطة. كان لدى جهاز الأمن الداخلي في الدول الأفريقية المتردية القدرة الكاملة على زرع الخوف وتثبيط الحوار المفتوح، ومنع التعبئة الشعبية.

وفي ظل تلك الظروف كان هناك ضغطا مكبوتا نحو التغير السياسي والذي كان سبب الوجود للاحتجاجات الشعبية.

وبرغم هذا فنحن ندرك أن الأحداث خارج أفريقيا كانت مسئولة عن المساعدة في إحداث هذا الضغط. البيئة السياسية الدولية للاحتجاجات تغيرت منذ  عام 1989 كنتيجة للحركات الديمقراطية في دول عديدة مثل الاتحاد السوفييتي، وألمانيا الغربية والصين والجزائر وجنوب أفريقيا. وفي الوقت الذي لم تكن فيه الاحتجاجات الخارجية هي العامل السببي، كانت مؤثرة على مضمون المطالب وتوقيت الاحتجاجات في أفريقيا جنوب الصحراء. اكتشفت المعارضة فكرة الديمقراطية كفكرة جديدة للاحتجاج، وقوض سقوط الأنظمة الشمولية في الخارج شرعية النظم الأفريقية ذات الحزب الواحد.

وعلى جانب النخبة، كان سقوط رجال شرق أوروبا الأقوياء – وخصوصا إعدام نيكولا تشاوشيسكو في رومانيا في ديسمبر 1989 – فاضحا لضعف الزعماء الأفارقة وحد من قدرتهم على السيطرة. على سبيل المثال، إعلان موبوتو للإصلاح السياسي، وانتخابات كاوندا التعددية بدت كمحاولات لإحباط الخلع العنيف من السلطة. والخطاب المؤثر للرئيس السابق نييريري في فبراير 1990 – والذي أقر فيه أن نظام الحزب الواحد لم يعد مقدسا – والذي تبعته زيارة مباشرة إلى ليبزيج لقطع العلاقات بين الحزب الشيوعي بتنزانيا والحزب الشيوعي بألمانيا الشرقية. والأنظمة الشيوعية في أثيوبيا وأنجولا وجدت نفسها فجأة محرومة من دعم شرق أوروبا. وعلى صعيد الجماهير، كانت المعلومات عن الحركات الديمقراطية في شرق أوروبا محدودة في الإعلام الحكومي. ولكن في كينيا عرضت السي إن إن صورا للاحتجاجات في براج وبودابست لم تتمكن الحكومة من منع انتشار المشاعر الشعبية المفضلة للمقاومة السياسية.

ولكن حملت أحداث أخرى أقرب للوطن معان أعمق للأفارقة. احتفلت القارة باستقلال ناميبيا في أبريل 1990 وتمتعها بدستور ليبرالي ونظام سياسي متعدد الأحزاب. وإمكانية الإصلاح السياسي الحقيقي في جنوب أفريقيا – والذي بزغ مع الإفراج عن نيلسون مانديلا في فبراير 1990، وإيقاف منع المؤتمر الوطني الأفريقي، والتحضير لنقاشات على الدستور – أدى إلى مراجعة للسياسات الداخلية وخاصة في الدول المجاورة. وعلى سبيل المثال رفع حالة الطوارئ والإفراج عن المعتقلين السياسيين في زيمبابوي في يوليو 1990 والتي تبعتها إجراءات مشابهة في جنوب أفريقيا. وفي غرب أفريقيا، كانت التجربة الجزائرية – والتي أدت فيها احتجاجات أكتوبر 1988إلى تقنين أحزاب المعارضة وهزيمة الحزب الحاكم على أيدي الإسلاميين في انتخابات مارس 1990 – مؤثرة للغاية. وتأثرت الدول الفرانكوفونية بصفة خاصة بسبب وحدة ثقافية شكلها الإعلام على مدى السنوات – وخصوصا المجلة الأسبوعية Jeune Afrique والإذاعة الفرنسية الدولية – وجذب الحياة الفرنسية الثقافية. المؤتمر الدستوري الوطني في بنين – والذي تحول إلى اتهام مدمر لنظام كيريكو – نقل على الهواء عبر الإذاعة للدول المجاورة: توجو وبوركينا فاسو وكوت ديفوار. ومنح فقد كيريكو للسلطة لصالح حكومة مدنية من تكنوقراط مستقلين سيناريو مغري لتنفذه قوى المعارضة في الدول المجاورة. وبرغم استحالة إثبات هذا، فإن تصاعد حركات الاحتجاج في توجو كانت نتيجة مباشرة للتحرر في بنين. وفي جمهورية أفريقيا الوسطى أدى التماس المثقفين والمسئولين السابقين في الحكومة لعقد مؤتمر وطني شجعت الحركة المناصرة للديمقراطية في باقي أفريقيا.







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76643


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 49476


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48286


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 47843


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44065


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 42936


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42489


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41378


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40230


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37601


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى