الجمعة,13 يوليه 2012 - 06:26 ص
: 19799    

كتب ترجمة عبير الفقي الباحثة بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية
berbera72@yahoo.com

في أواخر الثمانينيات، انضم الأفارقة إلى المطالبات بالديمقراطية المنتشرة في شرق أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأجزاء من آسيا. وبرغم كون الاضطرابات الشعبية سمة غالبة للسياسة الأفريقية، فإن سقوط حائط برلين – الذي صاحبه سقوط حكم الحزب اللينيني الواحد والنظام العالمي ذو القطبين – قد ألهم جموع المحتجين وتحدى القادة الحاليين في ظاهرة غير مسبوقة.

fiogf49gjkf0d

 وخلال 1990 وبعدها، خرج المواطنون إلى شوارع المدن الكبرى في 16 دولة جنوب الصحراء الكبرى للتعبير عن استيائهم من الصعوبات الاقتصادية والقهر السياسي ومطالبين بإصلاحات سياسية. واجهت الحكومات في المنطقة ضغوطاً لإجراء تغيير سياسي لم تشهده منذ التخلص من الحكم الاستعماري قبل ذلك بثلاثين عاما. وبالمقابل، على الأقل إحدى وعشرين حكومة قامت بإصلاحات سياسية ملحوظة بين نوفمبر 1989 ومايو 1991 للسماح بالتعددية والمنافسة السياسية في اتلمجتمع. وتمت للمرة الأولى منذ جيل كامل انتخابات تعددية في خمس دول أفريقية. وبدت نبوءة ريتشارد سكلار الجريئة أن الأفارقة سيفضلون تقلبات الديمقراطية على الظلم الخانق "للديكتاتوريات التنموية" مبررة ببراعة.

لقد كانت العملية الديناميكية من الاحتجاجات والإصلاح جديدة على أفريقيا، والاتجاه الانتقالي للنظم غير أكيد. ولكنهاكانت  لحظة سانحة لمحاولة تحديد معالم بارزة على الطريق. لماذا ظهرت الشروخ في صرح الحكم الشمولي في دول عديدة في المنطقة؟ وما هي عمليات الصراع والتسوية التي تقسم بها السلطة في النظم السياسية الديكتاتورية؟ وما هي الأبعاد المستقبلية لنشوء وتدعيم طرق حكم ديمقراطية؟

لدينا ثلاث مهام رئيسيه في الورقة الحالية: أولا نحدد خصائص الاحتجاجات السياسية الأخيرة في دول جنوب الصحراء الأفريقية ونركز على ربيع عام 1990 المضطرب. ثانيا نحلل طبيعة رد الفعل الحكومي مع ذكر مدى المبادرات المقترحة وتسجيل ردود الفعل العنيفة، والقمع، والارتدادات في أماكن حدوثها. وأخيراً، وليس آخراً، نسعى لتفسير لماذا تتحول السماء في أفريقيا بعد فترة طويلة من السبات المؤسسي.

 

الاقتراب: الديناميكيات السياسية الطارئة

 لم تدرس بعد الأدبيات الحديثة عن الديمقراطية في أفريقيا التصاعد في الاحتجاجات الشعبية أو سياق الحركات الداعية للديمقراطية حول العالم. ولم تدمج بعد المعلومات عن أفريقيا في أدبيات السياسة المقارنة التي تدرس النظم الانتقالية. ويعزوا الباحثون الفجوات في النظم الشمولية إلى عدد من العوامل المعقدة، بعضها داخلي وبعضها خارجي، بعضها هيكلي وبعضها طارئ. فعلى سبيل المثال ينسب عدد من الكتاب الإصلاح السياسي إلى الضغوط الدولية مثل التأثير التقدمي للاقتصاد العالمي المتنامي، و"التأثيرات الانتشارية" للثورات الديمقراطية الناجحة في مناطق أخرى من العالم، والشروط السياسية للمعونات الدولية. ويركز آخرون على العوامل الهيكلية بإرجاع زخم الإصلاح السياسي إلى الانحدار طويل المدى في النشاط الاقتصادي المحلي، وسياسات التقشف التي يفرضها المانحون، والتناقض الواضح في مستويات المعيشة. بالإضافة إلى هذا فيعتقد أن فساد النخبة السياسية يقوض شعبية وشرعية الحكومات.

وتوضح التفسيرات الانتشارية والهيكلية – بنفسها – الأحداث السياسية القريبة في أفريقيا بشكل جزئي. وليس معنى هذا أن نقلل من الأهمية السياقية للعوامل الخارجية؛ فالحالا الأفريقية ظهرت حينما اجتاحت المظاهرات الحاشدة شرق أوروبا خلال 1989 وبالتالي أثرت على خطاب وشكل الاحتجاجات، وحينما دفع ضغط الدول المانحة للتحول الديمقراطي الحكومات إلى تأييد الإصلاح السياسي. ولكننا نقول أن العوامل الخارجية هي عوامل معجلة وليست سببية. فنحن نتفق مع تقييم "لوينثال" لأمريكا اللاتينية وجنوب أوروبا أنه "في حين يمكن للعوامل الدولية أن تهيئ مسار الانتقال، فإن المشاركين الأساسيين والمؤثرات الغالبة كانت محلية في كل حالة." وبالمثل فإننا نقر بأن الاحتجاجات السياسية ورد الفعل الحكومي تشكله عوامل الأزمة الاقتصادية المعرقلة. وبرغم هذا، فإن تفسير الإصلاح السياسي يجب أن يسمح للنخبة والجماهير أن يشتبكوا في سلوك سياسي إبداعي حتى داخل بنية معينة من القيود الاقتصادية.

وهكذا لأننا نحاول التركيز على العمليات السياسية المحلية والطارئة. نقترح أن الحكومات الأفريقية تقدم الإصلاحات السياسية أساسا كرد فعل لمطالبات نشطة، عفوية ومنظمة، من تجمعات غير منظمة ومن طبقات متعددة من مجموعات المحتجين الداخليين. وتفسير نتائج الإصلاح يتطلب الرجوع إلى الموارد، والمهارات، وأنماط الرعماء ومعارضيهم. فالاحتجاج والإصلاح يحدث في عملية ديناميكية تكرارية من الفعل ورد الفعل وفيها يأخذ الفاعلون الاستراتيجيون تلميحاتهم من مناهضيهم. وبالتأكيد فإنه من الصعوبة الفصل بين هذين الحدثين في التحليل. فعلى سبيل المثال فإن النخبة السياسية عادة ما تقابل الاحتجاجات الشعبية إما بتنازلات رمزية أو قمع وحشي. وقد يؤدي رد الفعل الحكومي القاصر أو غير المناسب إلى إشعال المزيد من الاحتجاجات الواسعة والمصرة. وفي بعض الحالات ترضى الحكومات بعمل بعض التعديلات الدستورية بعد أن يثبت المحتجون قدرتهم على الاستمرار في الضغط وتصعيد مطالبهم. ومن هذا المنظور يتضح أن عملية التغيير السياسي لها حياة خاصة بها تفوق إمكانية التحكم من أي من أبطالها. فتحرير الأنظمة الشمولية يحدث تحت هذه الشروط : عدم الاستقرار السياسي... الخضوع للطوارئ غير المتوقعة، والعمليات المتكشفة والنتائج غير المخططة... (وخلالها) تبدو القيود "العادية" للهياكل الاجتماعية والمؤسسات السياسية معطلة مؤقتاً، والساسة عادة مدفوعون إلى اتخاذ قرارات متسرعة ومرتبكة، ويدخلون عادة في تحالفات عابرة وانتهازية. والنتيجة النهائية لهذه التفاعلات غالبا ما تكون بعيدة عن ما يتمناه أي من المجموعات التى ذكرت  في البداية.

ونحن نرى أن نهاية عملية الاحتجاج-الإصلاح تعتمد بالأساس على القوة النسبية والتماسك بين التحالفات السياسية في النخية السياسية والجماهير المعارضة. فمن ناحية الحكومة، فالانشقاقات قد تكون غالباً قاتلة لتماسك النخبة السياسية. وكما يقترح برتسوورسكي "فالحد الأول الخطر في الانتقال إلى الديمقراطية هو تحرك بعض الجماعات من داخل النظام الحاكم لكسب التأييد من قوى خارجة عنها."

ويعتمد الكثير كذلك على نوايا القادة السياسيين الحاليين وقدرتهم التكيفية للمطالبات بسياسة منفتحة وتفاعلية. وعادة ما ينظر شاغلوا المناصب إلى التحرر السياسي على أنه شر لابد منه لاستمرار التحكم السياسي في دولة غير مستقرة. ويقومون بالإصلاحات "المقدور عليها" والتي يعلمون أنها ضرورية لاستمرارهم في السلطة.

ونتائج الإصلاح تعتمد أيضاً على قوة المحتجين، والأمر الأساسي هو هل ستتمكن قوى المعارضة من بناء تحالف بديل للحكم. هناك عدد من المتطلبات. ينبغي على المجتمع المدني أن يكون منظماً بشكل كاف لمؤسسات ابتدائية، وينبغي على قوى المعارضة الوصول إلى درجة من الاتفاق المعياري على أجنده سياسية جديدة وإجراءات ديمقراطية، وكما لاحظ روستو، يجب ظهور نخبة جديدة "تدفع بالمجموعات الاجتماعية اليائسة والتي ليس لها قيادة إلى عمل منظم. وفي غياب تلك المنظمات، والمعايير، والقادة فإن الجهود المنفردة للاحتجاجات من الأسفل أو التعديلات الدستورية من الأعلى لن تتمكن من الوصول إلى انتقال دائم للنظام.

وخوفاً من أن يساء فهمنا، فإننا نؤكد على أن الشروخ في النظام الشمولي لا يجب فهمها على أنها انتقال كامل للديمقراطية. ويؤكد أودونيل وشميتر على أن التحرر السياسي والتحول الديمقراطي عمليتين متزامنتين ومتكاملتين ولكن مستقلتين: وتشير الأولى إلى تعديل النظام الشمولي، في حين تتطلب الأخيرة البناء المتعمد لمؤسسات الديمقراطية. من الممكن جداً أن يحدث التحرر بدون الديمقراطية، وفي بعض الدول الأفريقية تلي تحلل النظام الشمولي حالة من الفوضى والفساد أو التدخل العسكري وليس حكما مستقرا وعرضة للمحاسبة. فالمراحل الانتقالية للديمقراطية والتي تبعت انتخابات تعددية في غانا (1979)، ونيجيريا (1979)، وأوغندا (1980)، والسودان (1986) تعد سوابق مشئومة في هذا الصدد. ونقول أنه حتى اللحظة فما تشهده الدول الأفريقية هو تحرر للنظم الشمولية وليس تحولا كاملا إلى الديمقراطية – ناهيك عن ترسيخها.







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76653


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 49503


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48304


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 47869


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44094


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 42943


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42505


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41393


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40251


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37621


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى