الأربعاء,24 يوليه 2013 - 09:29 ص
: 21168    

كتب د. عادل محمد عايش الأسطل

تخلّى المزارعون لدى أغلب دول العالم، عن ممارسة زراعتهم التقليدية، واتبعوا الزراعة العصرية المطوّرة، والتي تعتمد على الهرمونات المنشّطة لمراحل النمو والإنتاج، بالرغم من العلم المسبق للمطوّرين والمنتجين والمستهلكين على حدٍ سواء،

fiogf49gjkf0d
  بأن مثل هذه الزراعات لا ترقّ إلى الزراعة التقليدية الطبيعية من حيث البيئة النظيفة والسلامة العامة، وهي وإن أثمرت بادئ الأمر، لكنها سرعان ما تفشل وتموت. الأيام القليلة الفائتة، سجّلت نجاحاً للرحلة السابعة لوزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" والمتعلقة بشأن العودة لاستئناف المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد انقطاع دام ثلاث سنوات متصلة، بغض النظر عن اللقاءات الهامشية والاستكشافية ولقاءات أخرى مختلفة، كانت تتم بين الطرفين في مناسبات عدّة وأماكن متفرّقة.

بعدما رأينا مثابرة "كيري" المتواصلة من خلال تنقلاته المكوكية بين القدس وعمان ورام الله، وهو يحمل معه أفكاراً مختلفة للجانيين، بغية جلبهم على أي شكل وبأيّة وسيلة للعودة إلى المفاوضات.

ولمّا كان بيقينه فشل ما قبله في الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" وآخرين في سعيهم لوضع عجلة المفاوضات على الشريط، كان لجأ إلى وصفة مطوّرة نافعة لنجاح مساعيه، والتي تعتمد الهرمنة والتخدير ونثر الفتات على الجانب الفلسطيني، حيث كان له بواسطتها أن كفر بأغلظ الأغطية على جملة الاشتراطات الفلسطينية للعودة إلى المفاوضات، من خلال وعود شكلية لا قيمة لها وسبق للولايات المتحدة أن تراجعت عنها. وبالمقابل تأدية كل ما يلزم من دروس الطمأنة والضمانات المختلفة على الجانب الإسرائيلي، إضافة إلى إبقائه لإسرائيل في أن تظل متمسكة بشروطها المعتادة وعلى رأسها (يهودية الدولة)، وعلى وعوده بالعمل على كبح جماح الفلسطينيين من حيث تخفيض سقف مطالبهم، ومواصلة السعي الأمريكي بمستوياته على حث الدول العربية إلى إجراء المزيد من التعديلات على مبادرة السلام التي طرحتها الجامعة العربية خلال قمة بيروت عام 2002، والتي تضمنت الاعتراف الكامل بإسرائيل مقابل تخلّيها عن كامل الأراضي التي احتلتها عام 1967، والاتفاق على (حلٍ عادلٍ) للاجئين الفلسطينيين.

وكانت إسرائيل قد رفضتها ولا زالت ترفضها إلى الآن. حيث وعد إسرائيل بالسلام مع كافة الدول العربية والإسلامية التي تنتظر وبشدّة إمكانية تحقيق السلام معها.

كان كل ما تقدم مغريات طبيعية كافية لإسرائيل لإعطائها الموافقة على الدخول في مفاوضات جديدة. من ناحية أخرى فإن إسرائيل، وبالرغم من إبدائها قلة الراحة، لكنها بدت وكأنها لم تأخذ إنجازات "كيري" مأخذ الجد، فقد أعلن "رئيس الوزراء "بنيامين نتانياهو" بأنه غير راضٍ تماماً عن خطوات "كيري" ولكنه واقع تحت ضغط الهروب من أمام حل الدولة الواحدة، وبأن أي اتفاق مع الفلسطينيين – وهذا مستبعد- فإنه سيعرض على الشعب الإسرائيلي أو اليهودي بشكلٍ أدق.

فضلاً عن أن حكومته قامت بالإعلان مجدداً عن عزمها استغلال المفاوضات كغطاء لمشاريعها الاستيطانية وعمليات التهويد. ومن ناحيةٍ أخرى، فقد شكك وزراء في حكومته في شرعية الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" كونه لا يمثل جميع الفلسطينيين. وأعربوا عن شكوكهم في أن هذه المفاوضات ستسفر عن أي نتيجة، على الرغم من حاجة إسرائيل الاستراتيجية لاستئنافها. كما أعلن مسؤولون كبار في وزارة الخارجية بأن لا أمل في التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين على أساس الصيغة الحالية للمحادثات.

وفضّلوا السعي نحو فحص بدائل محتملة تؤدّي إلى تسوية انتقالية فقط، يمكن لرئيس السلطة "أبو مازن" التعايش معها، رغم معارضته لمثل ذلك الاقتراح. وما فتئ وزراء آخرون يهددون بإفشال مساعي "كيري" وحتى الانسحاب من الحكومة، ما لم تتحقق مطالبهم. فبالإضافة إلى استبعاد قضية الاستيطان والقدس والاعتراف بيهودية الدولة كمطالب رئيسة، فقد طالبوا الولايات المتحدة بمطالب أخرى- ثانوية- ولكنها مهمة لدى الإسرائيليين ومنها، الإفراج عن الجاسوس "جوناثان بولارد" المحتجز داخل السجون الأمريكية، وتدخل الولايات المتحدة بشأن تراجع الاتحاد الأوروبي عن قراره الأخير بمنع التعاون مع أية جهات أو اطراف استيطانية. على الجانب الفلسطيني، فإن ما كان ميسراً أمام القيادة الفلسطينية من موافقتها على استئناف المفاوضات هو خشيتها من اندثار حل الدولتين.

وجعلت ذلك مبرراً لبدء المفاوضات بالفعل وقبل لقاءات واشنطن المنتظرة، وتم إقرار إيفاد كبير المفاوضين "صائب عريقات" إلى واشنطن لهذا الغرض. بالرغم من إعلان الرئاسة في رام الله، بأنه لا موعد للقاء واشنطن وإعلان المفاوضات إلاّ بعد الاستجابة للمطالب التي طالبت بها، والتي تمثلت في الاعتراف الإسرائيلي بحل الدولتين الذي يستند الى حدود 1967، وإيضاحات بشأن اعتزامها الافراج عن أسرى فلسطينيين في لفتة لإظهار حسن النيًة.

هذا التناقض في إعلانات الرئاسة يدل على الإرباك الشديد الذي تعانيه منذ وصول "كيري" ووقوعها تحت ضغوطاته. لكن برغم المرونة البادية من قِبل الرئاسة، فإن ما يجعل أمر العودة إلى المفاوضات على هذه الكيفية وفي هذا التوقيت أمراً عسيراً وغير مقبولاً، هو عزوف الكثير من القادة في السلطة وحركة فتح بالذات، عن قبول فكرة العودة على هذه الشاكلة، لعلّة أن القيادة الفلسطينية قامت بالتراجع عن مواقفها المتشددة بسهولة تامة، حيث تخلّت عن جملة شروطها لاستئناف المفاوضات وكأنها لم تتفوّه بها ذات مرة، ثم تبرر بالقول – على استحياء- بأنها لا زالت تنتظر الردود على - مصير شروطها- التي أعلنت طرحها في السابق، الأمر الذي سيعمل على إصابة الجمهور الفلسطيني باليأس والإحباط. إضافةً إلى أن استئناف المفاوضات على قاعدة الإعلانات الفضفاضة، ستكون بمثابة الخطوة الاولى في ذات الطريق الذي جرى قياسه أكثر من مرة حيث العودة إلى المعارك السياسية الملتوية والمعقدة.

أيضاً وكما هو متوقع، فقد أعلنت الحركات الإسلامية وعلى رأسها حركتي المقاومة الإسلامية حماس والجهاد، رفضهما القاطع لأيّة مفاوضات مع الإسرائيليين على هذا الشكل، حيث اعتبرت حركة حماس العودة إلى المفاوضات تفريط في حقوق الفلسطينيين وثوابتهم. ووصفت حركة الجهاد الإسلامي ممثلةً عن القوى الوطنية والإسلامية، بعد استبعادها التوصل إلى حل، بأن العودة للمفاوضات إنما هي بمثابة سياسة لإجهاض ما تبقى من القضية الفلسطينية.

لا شك فإن الولايات المتحدة تودّ من وراء محاولاتها الضغط باتجاه العودة إلى المفاوضات إلى تحقيق عددٍ من الأهداف، فبالإضافة إلى رغبتها إلى تغيير أشكال آلياتها لإدارة الصراع، فهي تسعى إلى كسب المزيد من التنازلات من الجانب الفلسطيني وهو في أضعف حالاته نتيجة مجريات الربيع العربي، كما أنها راغبة في تلمس المزيد من التنازلات العربية بالإضافة إلى سعيها إلى تجميل صورتها أمام العالم. وفي ضوء ذلك، فإن مجاراة القيادة الفلسطينية للولايات المتحدة وموافقتها على العودة للمفاوضات على هذه الشاكلة من حيث مرونتها المفاجئة في مقابل التشدد الإسرائيلي والغموض الأمريكي، ولا شك يفقدها المصداقية أمام الفلسطينيين. وكان الأفضل تقديم تلك المرونة أمام مسيرة المصالحة الفلسطينية. حيث أن لقاء الطاولة الداخلية على برنامج وطني شامل يرتكز على التمسك بالحقوق والثوابت الوطنية, هو الذي من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز وحدة وصمود الشعب الفلسطيني حتى تحقيق أهدافه على كامل ترابه الوطني.

خانيونس/فلسطين
23/7/2013







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77132


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50311


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48889


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48477


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44959


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43392


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 43028


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41793


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40769


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37992


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى