الجمعة,17 فبراير 2012 - 03:46 م
: 22872    

كتب ماهر محمود عيسى - تيسير أبو جمعة

سؤال قديم جديد في الواقع. سؤال قديم لأنه صيغت إجابات متعددة ومتباينة له وخصوصا في التراث الزاخر لعلماء الاجتماع والسياسة. فقد ذهب كل من فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون – على سبيل المثال – إلى أن التقاليد الثقافية تتسم بخاصية الثبات على نحو ملحوظ وهي التي تصوغ شكل السلوك السياسي والاقتصادي في مجتمعاتها اليوم. واتجه فريق آخر ممن ركزوا على نظريات التحديث، ابتداء من كارل ماركس حتى "دانيل بل" إلى أن صعود المجتمع الصناعي من شأنه إحداث تحولات ثقافية مترابطة بعيداً عن المنظومات القيمية التقليدية.

fiogf49gjkf0d
ولكن العلاقة بين الديموقراطية والثقافة سؤال جديد أيضا وخصوصاً بعدما نشرت نتائج المسح العالمي للقيم الذي أجراه عالم الاجتماع السياسي "إنجلهارت" وطبقه في عديد من الدول على عينات قومية، مما أدى إلى ظهور نظريات جديدة تفسر العلاقة بين الديموقراطية والثقافة، في ضوء البحوث الحضارية الميدانية المقارنة.

يقول السيد ياسين: "والواقع أن علاقة الديموقراطية بالثقافة هي فرع من أصل أكبر، وهو الأبعاد الثقافية للنظم السياسية المختلفة. بمعنى أن كل نظام سياسي لا بد أن يفرز ثقافة من نوع معين، تؤثر على قيم المواطنين واتجاهاتهم وسلوكياتهم".

ومن المعروف أن هناك تصنيفات متعددة للنظم السياسية، ويقوم كل تصنيف على أساس يختلف عن باقي التصنيفات. وأياً ما كان الأمر فإن أفضل التصنيفات ذلك التصنيف الذي وضعه عالم الاجتماع السياسي الأميركي لويس كوزر والذي صاغ تقسيمًا ثلاثيا للنظم السياسية يتكون من النظم الشمولية، والنظم السلطوية، والنظم الليبرالية. ففي النظام الشمولي يتم القضاء نهائيا على منظمات المجتمع المدني، وتلغى حريات التفكير والتعبير، ولا يسمح بالتعددية السياسية، وغالباً ما يتم احتكار السياسة بواسطة حزب واحد. ولعل النظام السوفياتي – قبل سقوط الاتحاد السوفياتي – كان هو النموذج البارز للنظم الشمولية. وفي هذا المجتمع الشمولي تفرض رقابة لصيقة على كل فرد، ويتم التجسس على حركاتهم وسكناتهم. ولعل الروائي الإنكليزي جورج أورويل أبرع من صور بقلمه الموهوب الإرهاب المعمم في المجتمع الشمولي حيث "الأخ الأكبر" أو الديكتاتور يراقب الناس حتى في بيوتهم، من خلال شاشات تلفزيونية مثبتة في كل مكان، وهو يراقب اللغة التي يتخاطبون بها. والنظام الشمولي بسماته التي ألمحنا إليها لا بد أن يفرز ثقافته الخاصة، وهي ثقافة تقوم على فرض الطاعة والخنوع والخوف من السلطة، والانصياع التام لأوامرها. ثقافة لا تسمح بالإبداع ولا بالابتكار، وإنما تنص على إطاعة توجهات الديكتاتور والحزب السياسي الذي يحكم من خلاله، مهما كانت لا عقلانيتها أو فراغها من أي مضمون.

ومن هنا فالانتقال من نظام شمولي إلى نظام ليبرالي يحتاج – ليس فقط إلى تغييرات دستورية وسياسية جوهرية – وإنما على ثورة ثقافية كبرى تنقل المواطن من حالة السلبية والخوف واللامبالاة أو بعبارة مختصرة من حالة الاغتراب – التي تعني إحساسه بعدم القدرة على السيطرة على مصيره – إلى حالة من الإيجابية الفعالة، وهذه النقلة الكيفية من شأنها أن تجعل المواطن الذي كان في ظل الشمولية مجرد رقم في قطيع كبير إلى فرد له استقلاليته وله شخصيته، وله إحساس بكرامته الإنسانية، وقدرة على المبادأة، وإمكان لا حدود له على الإبداع.

والنوع الثاني من أنواع النظم السياسية هو النظام السلطوي، وهذا النظام أخف وطأةً من النظام الشمولي، الذي يلغي الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة معا. ففي هذا النظام السلطوي هناك حرية نسبية للأفراد ولبعض المؤسسات، ولكن في ظل رقابة مستمرة من أجهزة السلطة، ولعل المجتمع المصري في ظل "ثورة يوليو" الناصرية كان النموذج البارز لهذا المجتمع السلطوي. وهو مجتمع أفرز ثقافته الخاصة التي تتمثل أساساً في الخوف الشديد من السلطة، والعجز عن إبداء الرأي الحر، واللامبالاة السياسية، ومسايرة السلطة في توجهاتها المعلنة، بغير اقتناع حقيقي بها.

ففي النموذج المصري، فقد ورث النظام السياسي المصري سمات السلطوية منذ قيام "ثورة يوليو" 1952 حتى الآن. صحيح أن هذه الفترة التاريخية الممتدة شهدت عصوراً ثلاثة هي عصر جمال عبد الناصر وعصر أنور السادات وعصر محمد حسني مبارك، وهناك سمات فارقة بين كل عصر وآخر، إلا أن سمات السلطوية والانفراد باتخاذ القرار تكاد تكون متشابهة في هذه العصور جميعا. ومن هنا يحتاج النظام السياسي المصري في الوقت الراهن إلى استراتيجيات متكاملة للتحول الديموقراطي، بمعنى الانتقال من بنيته السلطوية إلى البنية الليبرالية. وهي استراتيجية لو ركزت على بعض التغيرات الدستورية والسياسية فقط، دون أن تضع في اعتبارها أهمية التغيرات المخططة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن مسيرة التحول الديموقراطي ستتعثر تعثراً شديدا.

فمما لا شك فيه أن هناك علاقة بين الديموقراطية والأوضاع الاقتصادية ، فشيوع الفقر قد يدفع المواطنين إلى قبول الرشاوى الانتخابية فتفسد العملية السياسية ذاتها، وقد تغري الأثرياء من الذين يتسابقون للحصول على مقاعد المجالس النيابية إلى إغداق الملايين على الدعاية وعلى الأنصار، مما يصيب العملية الانتخابية في مقتل.

كما أن الظروف الاجتماعية، والتي قد تتمثل – على سبيل المثال – في شيوع الأمية بمعدلات مرتفعة، قد تؤدي إلى عجز الجماهير عن التمييز الرشيد بين البرامج المختلفة للأحزاب السياسية، ويتحول الاختيار بالضرورة من البرامج إلى الأشخاص، وبذلك تفقد الممارسة الديموقراطية أحد أسسها.

ومن ناحية أخرى لو كانت البلاد تمر بمرحلة تدهور فكري وانحطاط ثقافي والذي قد تكشف عنه سيادة التفكير الخرافي وغياب التفكير العلمي، فإن المرشحين الذين يرفعون في الانتخابات شعارات دينية غامضة مثل "الاسلام هو الحل" قد يجدون من يصوت لهم بغير معرفة دقيقة بأفكارهم السياسية الحقيقية.

ولعل صعوبة الانتقال من الثقافة السلطوية التي تقوم على الخوف من السلطة واللامبالاة والاغتراب الى الثقافة الليبرالية، هي التي جعلت تقرير "حالة المستقبل" الذي يصدره "المشروع الألفي" في جامعة الأمم المتحدة في طوكيو، يضع مشكلة هذا الانتقال من بين المشكلات الكبرى التي تواجه المجتمع العالمي المعاصر. ذلك أن هذا التقرير العالمي المهم الذي وضع يده على خمس عشرة مشكلة تواجه الانسان الآن، اختار أن يطرح مشكلة سياسية كبرى في شكل سؤال مبناه "هل يمكن أن تنبثق الديموقراطية من السلطوية؟" وصيغة السؤال لا تعني الاستحالة المطلقة، ولكنها تعني الصعوبة البالغة.

ونصل أخيرا إلى النظام الليبرالي الذي يعني – في النظرية – أن الدولة لا تتدخل لا في النظام الاقتصادي حيث يسود اقتصاد السوق الحرة، ولا في السياسة بحكم أنه يسمح بالتعددية بكل أنواعها السياسية والحزبية والثقافية، ومن الطبيعي أن تسود قيم ثقافية أساسية في هذا المجتمع الليبرالي، وهي الفردية والعقلانية وحرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم.

وغني عن البيان أن شرحنا لطبيعة النظم السياسية الأساسية الثلاثة: الشمولية والسلطوية والليبرالية، ركز عليها باعتبارها نماذج نقية غير مشوبة غير أن الممارسات الواقعية لهذه النظم قد تضيف سمات أخرى، أو تحذف سمات معينة. والدليل على ذلك أن النموذج السلطوي الناصري – على سبيل المثال – كان يعمل في الواقع بناء على رضاء عام من المحكومين، يقوم على أساس أن الدولة الناصرية تتعهد بما وسعها من الجهد بتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية شتى، مثل تحديد الملكية الزراعية، وتوزيع الأرض على الفلاحين الفقراء، وصياغة مجموعة من تشريعات التأمينات الاجتماعية، والالتزام بالتشغيل الكامل للخريجين. وذلك كله على أساس ألا يعمل الناس بالسياسة إلا في إطار الحزب السياسي الواحد للدولة، سواء كان اسمه "الاتحاد القومي" أو "الاتحاد الاشتراكي".

ومعنى ذلك أن المجتمع المصري في العصر الناصري لا تنطبق عليه بالضرورة كل سمات المجتمع السلطوي التقليدية، لأن النظام السياسي الناصري كان يتمتع بشرعية جماهيرية لا شك فيها، لأن الجماهير رضيت أن تقايض الحريات السياسية بالعدالة الاجتماعية.

وهكذا يمكن القول أن هناك علاقة وثيقة بين طبيعة النظم السياسية وإفرازاتها الثقافية، وإن كانت هذه العلاقة بالغة التعقيد، وخصوصاً فيما يتعلق بالفجوة بين النظرية والتطبيق، وفيما يخص التحولات التي قد تطرأ على الثقافة لأسباب غير سياسية، أو التطورات التي قد تصيب النظم السياسية ذاتها تحت تأثير مطالب الداخل أو ضغوط الخارج.







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 74953


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 46471


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 46338


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 45730


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 40900


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 40261


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 40031


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 38473


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 38211


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 36657


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى