الإثنين,26 مارس 2012 - 08:29 ص
: 8494    

كتب أ د عطية حسين أفندي أستاذ الادراة العامة كلية الاقتصاد‏ جامعة القاهرة

عمدت معظم الدول إلي تقسيم أقاليمها إلي عدد من الوحدات الجغرافية‏,‏ وقامت بإنشاء هيئة في كل وحدة منها تتولي إدارة خدمات منقولة اليها بواسطة تشريع من خلال الحكومة المركزية ومنحتها شخصية اعتبارية‏,‏ لتتمكن من مزاولة أعمالها بمرونة وأداء مهامها بكفاءة‏.‏

fiogf49gjkf0d
ولانعتقد أننا بحاجة إلي تبيان أن هذا جاء نتيجة واستجابة لعدة اعتبارات‏,‏ في مقدمتها تطور دور الدولة والتوسع في وظائفها‏,‏ واتساع مساحات بعض الدول‏,‏ وتزايد الطلب علي الخدمات بشكل جعل الحكومات غير قادرة علي تلبيتها دون مساعدة السكان المحليين‏.‏ كما انه غني عن البيان مدي الأهمية الكبري لتطبيقات اللامركزية ـ وهي تشير في مفهومها العام إلي ذلك الأسلوب الذي يتم بمقتضاه توزيع السلطة بين الحكومة المركزية وشخصيات اعتبارية أخري ـ في المجالات السياسية والإدارية بالدولة المعاصرة‏.‏
ولما كانت الأساليب الإدارية لا تعتبر هدفا في حد ذاتها‏,‏ بل هي وسيلة لتحقيق التوازن بين سلطات الإدارة المركزية في مجالات التخطيط والتوجيه والتمويل والرقابة‏,‏ وبين سلطات المحليات في مجال تقديم الخدمات بالقدر اللازم والكفاءة المنشودة وفي التوقيت المناسب‏,‏ فإنه يصبح مهما العمل علي تدعيم نظام الإدارة المحلية حيث هو الرابطة بين الحكومة المركزية والمجتمعات المحلية‏,‏ وهو وسيلة لمعايشة الجماهير في مواقع وجودهم دون دو الإخلال بوحدة التنظيم الإداري للدولة‏,‏ وفي هذا السياق تجيء دعوة الاستاذ الدكتور‏.‏ كمال الجنزوري رئيس مجلس الوزراء لفتح ملف نظام الإدارة المحلية سعيا نحو التطوير بما يحقق أهداف هذا النظام‏.‏
ويبقي صحيحا أن الدولة حين تسعي إلي تدعيم وتطوير قواعد النظام المحلي‏,‏ إنما تنطلق من اقتناع وإدراك أنه وسيلتها المثلي لحسن أداء وظيفتها وحسن قيامها بواجباتها نحو مواطنيها وايمانا بأن الفلسفة الأساسية للإدارة المحلية قوامها الوصول إلي نظام ديمقراطي سليم اعتمادا علي أساسين مهمين هما تحقيق اللامركزية والمشاركة الشعبية‏.‏
وتاريخيا بدأ الشكل الحديث للنظام المحلي في مصر مع الاحتلال الفرنسي‏,‏ حين أصدر نابليون في‏27‏ يوليو عام‏1798‏ قرارا بتقسيم البلاد إلي‏16‏ مديرية علي رأس كل منها مدير فرنسي يعاونه ديوان استشاري يضم‏7‏ أعضاء من أعيان المديرية‏,‏ وتطور هذا النظام خلال حكم محمد علي‏(1805‏ ـ‏1848)‏ ثم في أثناء الاحتلال البريطاني‏(‏ قانون أول مايو عام‏1883),‏ حتي جاء أول اعتراف دستوري بالنظام المحلي في المادتين‏133,132‏ من دستور عام‏1923,‏ وتعاقبت التطورات التي شهدتها مصر في هذا الشأن مرورا بدستور عام‏1958‏ ثم بالقانون رقم‏124‏ لسنة‏1960‏ وبعده دستور‏1971‏ والقانون رقم‏52‏ لسنة‏1975,‏ والقانون رقم‏43‏ لسنة‏1979‏ وتعديلاته وأخيرا التعديلات الجديدة وفق القانون رقم‏84‏ لسنة‏1996.‏
وقد تعددت الجهود الرامية نحو تحقيق التطوير في نظام الإدارة المحلية وتابعناها عبر وسائل الاعلام‏,‏ وفي الدراسات والبحوث‏,‏ وتقارير المجالس القومية المتخصصة‏(‏ شعبة الإدارة المحلية والتنمية الإقليمية‏).‏ وتوصيات المؤتمرات القومية للإدارة المحلية‏,‏ ومن هذه الجهود‏,‏ يمكن تحديد أهم المقترحات‏,‏ فهناك مطالب خاصة بإعادة التفكير في تشكيل المجالس المحلية‏,‏ وأخري عن اختصاصات الوحدات المحلية وعن عددها‏,‏ ومقترحات بشأن الرقابة علي الوحدات المحلية وتطوير أداء الموظفين المحليين وغيرها‏.‏
وحيث لا يتسع المقام هنا لعرض أهم هذه المقترحات‏,‏ نقتصر في هذه المقالة علي التطوير الخاص بالموارد المالية للوحدات المحلية إنطلاقا من أهمية هذا البعد الحيوي في نظام الإدارة المحلية‏,‏ خاصة مع التطورات التي نشهدها في مجال‏,‏ التغير في دور الدولة والضغوط علي الميزانية العامة والاتجاه نحو الخصخصة وما شابه‏.‏
‏*‏ من المسلم به أن الموارد المالية للمجالس المحلية لا تكفي احتياجاتها‏,‏ ويرجع ذلك لأسباب عديدة أهمها ثبات أسعار الضريبة الإضافية المكونة لحصيلة حساب رصيد الإيرادات المشتركة‏,‏ وعدم تناسب الأساس الذي توزع عليه الإيرادات المشتركة علي المحافظات‏,‏ خاصة أن التوزيع لا يتم علي أساس الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمحافظات‏,‏ وتخلف المجالس المحلية عن إبداء الرأي في المناقشات والقوانين المرتبطة بالأنظمة المؤثرة في التمويل المحلي وثبات مصادر الضرائب والرسوم رغم ارتفاع دخول فئات كثيرة من الشعب نتيجة لسياسة الانفتاح الاقتصادي وظهور انواع جديدة من الأنشطة يمكن فرض رسوم جديدة عليها بخلاف التي نص عليها القرار الوزاري رقم‏239‏ لسنة‏1971‏ م‏,‏ وجمود إيرادات المحليات نتيجة قيام الدولة بتخصيص جزء من مواردها للمحليات‏,‏ وعدم معرفة المجالس المحلية الشعبية بحجم الإيرادات الجارية من الضرائب العقارية علي الأراضي والمباني‏,‏ لعدم إخطار أجهزة الضرائب العقارية بقيمة هذه الإيرادات‏,‏ وغير ذلك‏.‏
إذن يجب إعادة النظر في توزيع الموارد حتي يظهر التمويل المحلي في صورته الحقيقية في الموازنة‏,‏ مع الاستخدام الأمثل للموارد المحلية المتاحة‏,‏ وزيادتها بالقدر الذي يقلل من الاعتماد علي إعانات الحكومة المركزية‏,‏ وتحقيق العدالة الإجتماعية وتوزيع الثروة وتوفير الخدمات والسلع‏,‏ بمعني آخر يجب أن تشمل جوانب الاصلاح المالي ما يتعلق بسياسة الاعانات الحكومية‏,‏ نظام الضرائب المحلي‏,‏ سياسة الرسوم المحلية‏,‏ الاستثمارات المحلية‏,‏ أخيرا الادارة المحلية‏.‏

وأهم المقترحات في هذا الشأن ــ باختصار شديد ــ ما يلي‏:-‏
‏1‏ ــ إصدار قانون يحدد الأوعية التي يجوز فرض رسوم محلية عليها‏,‏ ويبين الحدود القصوي لتلك الرسوم في حالة فرضه‏,‏ في إطار تأكيد مبدأ صلاحية الوحدات المحلية في تحديد رسوم وأسعار الخدمات العامة التي تقدمها المرافق المحلية‏,‏ في نطاق كل وحدة‏,‏ بما يتلاءم مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية‏.‏

‏2‏ــ إنشاء مركز معلومات للإدارة المحلية علي شكل شبكة كبيرة منتشرة في المحافظات‏,‏ يتكامل مع مراكز المعلومات القومية‏,‏ في تقديم المعلومات التي يمكن من خلالهاالتعرف علي القدرة المالية لكل مجتمع محلي‏,‏ علي أساس النشاط الاقتصادي السائد‏,‏ ومستقبل التنمية في كل وحدة محلية‏.‏

‏3‏ــ زيادة النسبة المقررة للإدارة المحلية في الموارد المشتركة للمحافظات‏,‏ بما يسمح بدعم الوحدات المحلية لإنشاء واستكمال وتطويرالمرافق العامة بها‏,‏ ويفسح الطريق أمام المواطنين للمساهمة بجهودهم الذاتية‏.‏

‏4‏ــ إضافة موارد جديدة للوحدات المحلية مثل‏:‏
ـ ‏أثمان الأراضي والمحاجر الواقعة في نطاق كل محافظة‏.‏
ـ ‏مقابل تحسين الأراضي الزراعية نتيجة لرصف الطرق‏.‏

‏5‏ــ العمل علي تأكيد دور المحليات في إعداد الموازنات والهياكل المالية المحلية الأخري‏,‏ وتنفيذها ومتابعتها للوصول إلي المستوي الذي يسمح بتدعيم مواردها والانفاق منها وفق برامج ومعدلات الأداء المقررة‏,‏ مع تطوير اللوائح المالية ونظم العمل بها‏,‏ بما يكفل تحقيق ذلك‏.‏

‏6‏ــ إضافة حصيلة التصرف في الأراضي القابلة للاستصلاح داخل زمام المحافظة‏,‏ والأراضي المتاخمة الصحراوية والمستصلحة والممتدة لمسافة‏5‏ كيلومترات‏,‏ إلي الموارد المحلية سواء قامت المحافظة بالاستصلاح أو عهدت به إلي الغير‏,‏ مع التأكيد علي ضرورة تحديد نصيب المحافظة في العائد من حصيلة بيع الأراضي المستصلحة الواقعة خارج الزمام في حدود‏25%‏ طبقا لقانون الإدارة المحلية‏.‏

‏7‏ــ توجيه الشركات لتسديد فائض نسبة‏25%‏ المخصصة للخدمات من أرباح شركات القطاع العام المخصصة لتمويل الوحدات اللازمة لإسكان العاملين بالشركة أو الشركات المتجاورة في نطاق الوحدات‏.‏

‏8‏ــ تشجيع قيام مشروعات إنتاجية وخدمية بالمحافظات يساهم فيها المواطنون مع الوحدات المحلية‏,‏ وذلك في مجالات الأمن الغذائي إنتاجا وتسويقا‏,‏ وفي إنشاء المرافق العامة المحلية علي أن تدار المشروعات بالأسلوب الاقتصادي‏.‏

‏9‏ــ منح الوحدات المحلية حرية أكبر في عقد قروض خاصة بها لتنفيذ مشروعاتها الاستثمارية بالتنسيق مع الخطة العامة للدولة والموازنة‏,‏ وبإشراف البنك المركزي وذلك بضمان عائد المشروعات التي تطلب القروض من أجلها‏,‏ بناء علي دراسات الجدوي الاقتصادية بالمحليات وحفز البنوك التجارية والمتخصصة علي الدخول بالمشاركة في مشروعات الوحدات المحلية للاستفادة من الاستثمار المباشر بدلا من فوائد القروض‏,‏ علي أن تلتزم الوحدات المحلية بسداد هذه القروض‏.‏

‏10‏ــ إعادة تنظيم جميع الصناديق الخاصة والحسابات المستقلة‏,‏ وتطوير لوائحها المالية‏,‏ بما يكفل التنسيق والتكامل بينها‏,‏ والسماح للمحليات بإيداع جانب من أرصدة الصناديق والحسابات الخاصة بالبنوك التجارية‏,‏ للإستفادة من عائد استثمار هذه الودائع بالتنسيق مع وزارتي المالية والاقتصاد‏.‏

‏11‏ــ دراسة إمكانية تحويل الحسابات الخاصة إلي شركات متخصصة كل في مجالها بكل محافظة بحيث تتولي هذه الشركات الأعمال الموكول أداؤها لهذه الحسابات الخاصة مثال ذلك أن تكون هناك شركة متخصصة في مشروعات الإسكان الاقتصادي علي مستوي المحافظة‏,‏ وشركة مهمتها القيام بأعمال النظافة‏,‏ وكذلك تشجيع قيام شركات مساهمة محلية برأسمال مشترك بين حسابات الخدمات والقطاع الخاص وفق خطط تنمية محلية‏.‏

‏12‏ــ التأكيد علي أهمية دور بنك التنمية والائتمان الزاعي وبنوك التنمية الوطنية والبنوك التجارية‏,‏ في دراسة مشروعات التنمية المحلية والجدوي الاقتصادية لكل مشروع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية‏,‏ وتقديم المساعدات والمعونات المختلفة‏,‏ وذلك بجانب حفز البنوك التجارية والمتخصصة علي المشاركة في مشروعات الوحدات المحلية‏,‏ للاستفادة من الاستثمار المباشر بدلا من فوائد القروض مع زيادة النسبة المسموح بها في البنوك للمشاركة في مشروعات التنمية‏.‏

‏13‏ ــ تطوير الإدارة المالية‏,‏ بحيث تشمل الأفراد‏,‏ الاجراءات‏,‏ الموازنة المحلية‏.‏

وبعد‏...‏
فقد عرضنا لبعض المقترحات في شأن تطوير نظامنا المحلي من مدخل إعادة التفكير لعل بعض ما جاء فيها يكون ملائما للتطبيق‏.‏
نشر هذا المقال بجريدة الاهرام

نشر هذا المقال بجريدة الاهرام السنة 123-العدد 40821

‏1998

11سبتمبر

الجمعة

       







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77033


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50128


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48774


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48358


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44826


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43311


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42881


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41706


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40664


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37906


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى