الإثنين,26 مارس 2012 - 12:41 م
: 7522    

كتب أ د عطية حسين أفندي أستاذ الادارة العامة كلية الاقتصاد‏ جامعة القاهرة

طرحت الدوائر السياسية والبحثية والمنظمات الدولية العالمية في الآونة الأخيرة مفهوما جديدا يهدف الي صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع وهو مفهوم Governance‏ وقد أطلق عليه البعض مسمي الحكومة الجيدة وعبر عنه آخرون بـأسلوب الحكم الموسع ووصفه فريق ثالث بـأسلوب الحكم الجديد‏,‏ بل ذهب البعض الي تبني تعبير الحكم المتحد والحكم الشامل‏,‏

fiogf49gjkf0d
وبناء علي مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD‏ الحديث فان لفظ Governance يشير الي القيام بالحكم بمعني واسع‏.‏
ويعرف أسلوب الحكم الجديد بأنه عقد اجتماعي جديد بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في اطار شراكة ثلاثية بهدف تعبئة أفضل لقدرات المجتمع وادارة أكثر رشادة لشئون الحكم وينطوي هذا المفهوم علي اعادة تحديد مجالات العمل والنشاط لكل من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني فتصبح الريادة في الحياة الاقتصادية في يد القطاع الخاص في ظل اقتصاد تنافسي قائم علي مبدأ الحرية الاقتصادية‏,‏ وتعمل الحكومة علي ضمان الحرية السياسية والاقتصادية من خلال ايجاد أطر قانونية تعزز ذلك وترفع كفاءة الجهاز الاداري تعمل علي تنمية الموارد البشرية عبر الاهتمام بالمجالات التعليمية والصحية‏,‏ وأخيرا تحافظ الحكومة علي مساواة الأفراد أمام القانون‏,‏ أما المجتمع المدني‏,‏ الطرف الثالث في الشراكة فان عليه تعبئة جهود الأفراد في منظمات قوية تشارك بفعالية في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتلعب دورا في التأثير في السياسات العامة‏.‏
لقد مضي الوقت الذي كانت فيه التنمية تستند في كل أصولها ونتائجها علي مساهمة القادة والمسئولين من حكومات وقيادات سياسية‏,‏ وأصبح الأمل الوحيد لتحقيق التنمية المجتمعية الشاملة الآن معقودا علي توفير فرص المشاركة لكل المجتمع بكل فعالية وجميع تنظيماته‏.‏
إن تحقيق التنمية‏,‏ وخاصة في بعدها الاجتماعي‏,‏ وتعزيزها لا يمكن أن يتقرر فقط من خلال خطط الدولة للتنمية وحدها بل لابد من التوافق والمشاركة المجتمعية الكاملة‏.‏
وهذا ما أكده السيد الرئيس محمد حسني مبارك في خطابه أمام شباب الجامعات المصرية يوم الأربعاء‏25‏ أغسطس‏1999‏ م حين قال سيادته إننا نخطط ونعمل علي تحقيق نهضة مستمرة في كل مجالات الحياة المصرية‏.‏ نهضة لا تستند الي الجهد الحكومي وحده ولكنها تقوم علي أكتاف مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات واتحادات وجمعيات أهلية‏..‏ الخ‏.‏
ومن هذا المنطلق تجيء فكرة الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص في اطار‏(‏ الحكم الموسع‏),‏ والذي نحاول فيما يلي إلقاء مزيد من الضوء عليه كمدخل لموضوع الشراكة‏.‏
لقد ظهر مفهوم الـGovernance كجزء من ثقافة عالمية تنهض علي تعزيز مشاركة الأطراف المجتمعية المختلفة مع الحكومة في صنع وتنفيذ السياسات العامة‏,‏ للتعبير عن التفاعل زو الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص ويحاول هذا المفهوم الربط بين ادارة الدولة وادارة شئون المجتمع ويبحث في التفاعل بين أطراف هذه المعادلة‏,‏ كما أنه يعبر عن الانتقال من نموذج أحادي المركز‏(‏ من الحاكم للمحكوم‏,‏ من المدير للمرءوس‏,‏ من مقدم الخدمة الي متلقيها‏..‏ الخ‏)‏ الي نموذج ذي اتجاهين‏(‏ الدولة‏-‏ المجتمع العام‏-‏ الخاص‏).‏
وباعتباره مفهوما اجتماعيا‏,‏ تثير كلمةGovernance العديد من المعاني والدلالات والادراكات نشير الي أكثرها شيوعا في حدود علم الباحث وسعيه‏:‏
‏  **‏ يعرف مصطلح
Governance
كأسلوب للحكم الموسع بحيث يصبح بمثابة عقد اجتماعي جديد بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في اطار شراكة ثلاثية بهدف تعبئة أفضل لامكانات المجتمع‏,‏ وادارة أكثر رشادة لشئون الحكم‏.‏
‏**‏ ويري البعض أن الـ Governance
هو تجسيد للتعددية والمساءلة العامة واحترام القانون وحقوق الانسان ومباديء السوق‏,‏ وأن هذا المفهوم يتضمن المناقشة والمساءلة واحترام الأفراد ويرتبط باحترام حقوق الانسان والمشاركة الشعبية والتعددية داخل المجتمع المدني‏.‏
‏**‏ ويعرف البرنامج الانمائي للأمم المتحدة UNDP أسلوب الحكم الموسع أو الـ Governance بأنه ممارسة السياسة والاقتصاد والسلطة الادارية لادارة شئون الدولة من خلال الآليات والعمليات والعلاقات والمؤسسات المعقدة‏,‏ التي من خلالها يجمع المواطنون‏-‏ أو الجماعات أو التنظيمات‏-‏ مصالحهم ويمارسون حقوقهم والتزاماتهم ويحلون خلافاتهم‏,‏ وأن أهدافه تتركز في العدالة والانصاف وكفاءة استخدام الموارد الطبيعية والمالية والبشرية وكفاءة تقديم الخدمات‏.‏
  وتتعدد تعريفات ومدلولات مفهوم   Governanceفيشير البعض الي الحكم أو فن الحكم والي الحاكمية وادارة شئون الدولة والمجتمع ويفضل الكاتب تعبير أسلوب الحكم الموسع إذ يراه أكثر دلالة وتعبيرا عن المقصود بهذا المصطلح في حين تقصر باقي التعبيرات والترجمات عن ذلك‏.‏
ورغم تعدد استخدامات المصطلح فان ثمة عناصر مشتركة ودلالات متقاربة بين مختلف الاستخدامات وهي‏:‏
‏1-‏ أن الحكم الموسع يشمل ما هو أكثر من نشاط الحكومة وبخاصة تحديد الأهداف المشتركة والتنسيق والاعتماد المتبادل بين التنظيمات الحكومية وتنظيمات القطاع الخاص والعام والمنظمات غير الحكومية‏.‏
‏2-‏ أن الحدود بين أنشطة مختلف أنواع التنظيمات ليست ثابتة ولا هي واضحة تماما‏,‏ بل هي قابلة للتغيير والتحول كنتيجة للتفاعل المستمر بين مختلف هذه التنظيمات التي تنتمي الي شبكة واحدة‏,‏ يتبادل أعضاؤها الموارد والأدوار في اطار أهداف مشتركة يتم تحديدها خلال التفاوض بين أعضاء هذه الشبكة‏.‏
‏3-‏ تستند قواعد التعامل والتفاعل بين أعضاء الشبكة الي التفاوض بين الأعضاء وفي الثقة المتبادلة فيما بينهم‏.‏
‏4-‏ يتمتع أعضاء الشبكة بدرجة عالية من الاستقلال الذاتي عن الدولة فالأعضاء ليسوا مسئولين أمام الدولة‏,‏ بالمعني الواسع‏.‏
‏5-‏ إن مفهوم الحكم الموسع قائم علي ثلاثة مستويات أولها المستوي المؤسسي والذي يعمل علي ايجاد دولة حيادية وثانيها الاجتماعي ومقتضاه إيجاد مناخ عام ليبرالي أو مجتمع مدني قوي وثالثها المستوي الفردي وجوهره ايجاد الذات المتحررة والنماذج الحديثة للسلوك‏.‏
وأخيرا ينطوي هذا المفهوم علي اعادة تحديد مجالات العمل والنشاط لكل من أطراف هذا العقد الاجتماعي الجديد‏,‏ كما سبق وأشرنا في الاستهلال‏.‏
وهذه العلاقة الثلاثية لا يمكن أن تنتج أثارها إلا في سياق مجتمعي قائم علي الديمقراطية والمساءلة واحترام حقوق الانسان‏.‏
وهذه الملاحظة الأخيرة حول مفهوم ودلالات وادراكات المشتغلين بوظيفة الـ
Governance
تنقلنا الي مستوي متقدم من التحليل وهو الخاص بالحكم الموسع الجيد Good Governance حيث لا نكتفي بتضافر مؤسسات الـGovernance في القطاعات الثلاثة الدولة والخاص والمجتمع المدني من أجل تنمية مستديمة‏,‏ بل نتحدث عن الشروط والسمات والخصائص اللازمة ليكون هذا الحكم الموسع جيدا‏.‏

وقد لخص الباحثون ببرنامج الأمم المتحدة الانمائي هذه المسميات فيما يلي‏:
(1)‏ احترام القانون وسيادته وتحقيق العدالة والانصاف‏.
(2)‏ الشفافية‏.
(3)‏ المسئولية تجاه كل الأطراف‏.
(4)‏ التوافق بشأن خدمة المصلحة العامة‏.
(5)‏ التكافؤ بين النساء والرجال‏.
(6)‏ الكفاءة والفعالية والاستخدام الأمثل للموارد والقدرات‏.
(7)‏ المساءلة لكل الاطراف‏:‏ الحكومة‏-‏ القطاع الخاص‏-‏ المجتمع المدني وفي كل منها‏.
(8)‏ القدرة علي التعامل مع القضايا المؤقتة‏.
(9)‏ التوجه نحو الكفادة في تقديم الخدمات‏.‏

‏(10)‏ الشرعية والقبول لدي الناس‏.
(11)‏ التمكين والتيسير‏.
(12)‏ التسامح وقبول وجهات النظر المعارضة‏
(13)‏ تقوية الميكانزمات القاعدية‏.
(14)‏ التشاركية‏.
(15)‏ القدرة علي تعبئة الموارد للأغراض الاجتماعية‏.‏


‏***‏ في هذا الاطار فإن منظمات المجتمع المدني‏-‏ وفي مقدمتها المنظمات غير الحكومية تساعد علي تحقيق ادارة أكثر رشادة للحكم من خلال توسطها العلاقة بين الفرد والدولة عبر قدراتها كأبنية مجتمعية‏,‏ علي تعبئة أفضل لجهود الأفراد‏,‏ والتأثير لفي السياسات العامة وتعميق المساءلة الشفافية وتربية المواطنين علي ثقافة الديمقراطية ومساعدة الحكومة عن طريق العمل المباشر أو التمويل أو الخبرة‏,‏ علي أداء أفضل للخدمات العامة وتحقيق الرضاء العام
ومن هذا المنطلق تعد المنظمات غير الحكومية وكيلا لتحقيق حكم أكثر رشادة

نشر هذا المقال بجريدة الأهرام
السنة 124-العدد 41244 بتاريخ 8 نوفمبر 1999







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 76746


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 49708


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48470


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48032


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44278


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43043


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42612


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41499


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40363


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37705


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى