الإثنين,26 مارس 2012 - 12:53 م
: 8053    

كتب أ د عطية حسين أفندي أستاذ الادارة العامة كلية الاقتصاد‏ جامعة القاهرة

تغيرت الفكرة التقليدية عن دور الدولة بشكل ملحوظ في القرنين الماضيين ففي القرن التاسع عشر أيد الاقتصاديون التقليديون والفلاسفة السياسيون الحكومة الصغيرة ورأوا حصر دورها في الدفاع القومي‏,‏ الشرطة‏,‏ الأدارة‏,‏ وفي الجزء الأخير من القرن ذاته واجه الاقتصاديون التقليديون أفكار الماركسية والاشتراكية وأضيفت عملية إعادة التوزيع الي الادوار التقليدية للحكومة‏.‏

fiogf49gjkf0d
وخلال الحرب العالمية الأولي اتجه الإنفاق العام الي التزايد وفرضت ضرائب أكثر ثم أدي الكساد الكبير في الثلاثينيات الي موجة أخري من التوسع في الانفاق الحكومي واختفت‏,‏ الي حد كبير الحكومات الصغيرة‏.‏
وشهدت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية‏,‏ وبصفة خاصة الفترة من‏1960‏ ـ‏1990‏ ميلا كبيرا الي سياسات توسيع النشاط بفعل عوامل عديدة منها الاقتصاد الكينزي‏,‏ تحدي الاشتراكية‏,‏ نظرية السلع العامة وما الي ذلك وظهر التغير في دور الحكومات في الستينيات وقوي خلال العقدين التاليين حتي بلغ الانفاق الحكومي ذروته في بداية التسعينيات حين بلغ انفاق الحكومات الكبيرة حوالي‏55%‏ من جملة الانفاق‏,50%‏ للحكومات متوسطة الحجم‏,‏ وحوالي‏40%‏ للحكومات الصغيرة‏,‏ ووضح من التطورات ومراجعة المؤشرات الاجتماعية والانفاق علي الاستثمار أن الحكومات الصغيرة ليست أقل في الآداء من الكبيرة بل ربما يكون لها مؤشرات اقتصادية واصلاحية أكثر كفاءة‏.‏
واذا كنا نميل الي خفض حجم الحكومة فاننا نري ان التحديات الكبيرة التي تواجهها تؤكد ضرورة أن يتواكب علي الحجم الصغير كفاءة عالية في الأداء ومن ثم يثور الحديث عن حكومة صغيرة تكلف أقل لكن تعمل بكفاءة أكبر‏.‏
وهنا تثور إحدي المشكلات الكبري وهي التي تتعلق بقياس الأداء الحكومي‏,‏ ان إحدي العقبات الكبري في طريق الإصلاح الحكومي تتمثل في أن قياس الأداء الحكومي مسألة معقدة وصعبة للغاية ففي القطاع الخاص تكون للشركات قواعد قياس خاصة وفقا للكسب والخسارة لكن المنظمات العامة لاتحظي بمثل هذه القياسات البسيطة التي تعتمد علي مدي في السير نحو الهدف ونتيجة لذلك ركزت الحكومات علي قياس المدخلات والمخرجات والموارد التي تستخدم في انتاج سلعة أو خدمة حكومية والجهد الذي تبذله المنظمات الحكومية‏,‏ وحتي هذا القياس في حد ذاته واجه صعوبات بالغة‏,‏ اذ يجب أولا تحديد الهدف من البرنامج بدقة قبل محاولة قياس نتائجه ولأن هناك جهات عديدة تسهم في انشاء ومتابعة برنامج ما مثل الهيئة التشريعية والتنفيذية وأحيانا المحاكم وجماعات المصالح وجماعات الضغط والجماهير‏,‏ فان هذه الجماعات عادة لا تتفق علي ماهية الأهداف التي يسعون اليها من وراء هذا البرنامج‏.‏
وحتي اذا كانت الأهداف معروفة ومتفق عليها فان المشكلة معقدة لأن مخرجات القياس في معظم الحالات غير قابلة للقياس الكمي للحكم عليها‏.‏
وقد أعطي الفكر الإداري منذ بداية التسعينيات اهتماما ملحوظا لمسألة المقارنة بين القطاع العام والقطاع الخاص لاسيما فيما يتعلق بمستوي الأداء‏,‏ وبدأ التفكير الجدي في قياس أداء المنظمات العامة أو الادارات الحكومية وعدم الاقتصار علي الاطمئنان والارتكان الي مجرد الالتزام باللوائح والتعليمات كما كان الحال سائدا ونشرت دراسات عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا توضح كيفية قياس أداء المنظمات الحكومية‏,‏ فعلي سبيل المثال اذ كنا نقيس الأداء الحكومي في مجال التعليم في مرحلة ما فإن العملية هنا تتضمن العوائد المتوقعة مثل‏:‏ عدد أيام الدراسة عدد الدارسين ونسب التسرب والمعايير المستخدمة في قياس الأداء مثل نتائج الامتحانات ونسبة الخريجين الذين وجدوا عملا‏.‏
كذلك اذا كنا نقيس الأداء الخاص بالمستشفيات فإن العملية متضمنة العوائد المتوقعة مثل عدد المرضي المترددين علي المستشفي‏,‏ متوسط مدة التمريض‏,‏ طاقة دخول العيادة الخارجية بينما يتضمن المعايير المستخدمة للقياس نسبة الوفيات من المرضي الداخلية للمستشفي ونسبة تردد المريض لنفس المرض للمستشفي وهكذا الحال بالنسبة لباقي الخدمات الحكومية من نقل ومواصلات‏,‏ شرطة وأمن‏....‏ الخ‏.‏
وقد ناقش كل من Osborne  و Gaebier في كتابهما الشهير إعادة اختراع الحكومة‏,‏ هذه المشكلة تحت عنوان من قياس الأداء مؤكدين صعوبة قياس الأداء الحكومي وتركيزه الي حد كبير علي قياس المدخلات لصعوبة قياس النتائج وقدما عددا من الدروس الأساسية في هذا المجال‏:‏
‏(1)‏ ان هناك اختلافا كبيرا بين قياس العملية وقياس النتائج‏
(2)‏ ان هناك فارقا كبيرا بين قياس الكفاءة وقياس الفعالية‏
(3)‏ هناك فارق هام بين نتائج البرنامج ونتائج السياسات
(4)‏ الاقتران أو المزاوجة بين القياس الكمي والتقييم الكيفي أي التحليل الكمي والكيفي‏
(5)‏ توقع المقاومة الشديدة‏
(6)‏ اشراك الموردين والعاملين في تطوير المقاييس الصحيحة
‏(7)‏ اخضاع المقاييس للمراجعة والتحديث سنويا‏
(8)‏ لاتستخدم مقاييس أو معايير كثيرة جدا أو قليلة جدا‏
(9)‏ الحذر والحرص من قوة الدوافع
‏(10)‏ الاحتفاظ بوظيفة القياس في مكتب أو جهاز مستقل سياسيا ومحايدا‏
(11)‏ التركيز علي تعظيم استخدام بيانات الأداء‏.‏


وفي مجال مناقشة مشكلة قياس أداء المنظمات الحكومية نشير الي أسلوب المقارنة المرجعية Bench marking  وهو الأسلوب الذي يمكن المنظمة من تحديد ما إذا كانت الأهداف المبتغاة تتناسب مع احتياجات السوق التي تتأثر بالمنافسين‏,‏ إذ لايكفي أن نحدد أهدافا تزيد بنسبة معينة عن الأهداف المحققة في العام الماضي ونعتبر ذلك مؤشرا للتقدم والتحسن‏.‏ وهذا الأسلوب صالح للتطبيق في المنظمات الانتاجية والخدمية‏,‏ العامة والخاصة‏.‏
ويمكن تعريف المقارنة المرجعية‏,‏ أو المعايير القياسية‏,‏ أو القياس إلي نمط ما فكلها مترادفات‏,‏ بأنها عملية مستمرة لقياس المنتجات والخدمات والعمليات التي تتم داخل منظمة ما ومقارنتها بتلك المطبقة لدي أقوي المنافسين لها‏,‏ وهؤلاء الذين يمكن اعتبارهم روادا في مجال عمل هذه المنظمة‏.‏
ان نجاح الأعمال يأتي من الاعتماد علي عمليات تخطيط موجهة نحو تحقيق أهداف محددة بحيث تقود الأداء نحو مستويات تفوق مستويات المنافسين خاصة في المجالات التي لها تأثير كبير في نجاح أعمال المظمة‏,‏ ومن ثم فإن عملية المقارنة المرجعية أو القياس الي نمط بما توفره من معلومات عن وضع المنظمة بالمقارنة بالآخرين تعتبر مسئولية رئيسية من مسئوليات التخطيط الاستراتيجي‏.‏
لقد أصبح الأداء في بيئة ادارة الأعمال الحديثة ـ وبيئة الحكومة التي أعيد اختراعها ـ خاضعا كلية الاسوق فهو الذي يقود الاستراتيجيات Market - Driven Strategies
وهو الذي يعيد تشكيل وتنظيم الشركات والمؤسسات ويسرع من عمليات التحالف الاستراتيجية فيما بينها‏,‏ وأن معرفة موقع المنظمة وقدراتها بالمقارنةمع الآخرين من الرواد يتطلب القيام بعملية تحليل كاملة لها وللآخرين‏,‏ ويؤدي الي ما يعرف في الثقافة اليابانية بـــالدانتوتسبون أو أن تكون أفضل جميع‏.‏
هذه المقارنة المرجعية كانت محلا لدراسة مهمة تضمنها أحد تقارير مراجعة الأداء الحكومي NPR في الولايات المتحدة وقد شمل هذا التقرير ملخصا تنفيذيا ثم مقدمة ثم ملخص أحسن المماسات في قياس الأداء‏.‏
وقد أشار الملخص التنفيذي الي ان كل المنظمات ذات الأداء العالي‏,‏ سواء كانت عامة أو خاصة مهتمة ـ أو يجب ان تكون مهتمة ـ بتطوير وتعبئة نظم فعالة القياس الأداء حيث أنه فقط خلال هذه النظم تستطيع تلك المنظمات أن تظل ذات أداء عال‏,‏ وأنه منذ أن وقع الرئيس كلينتون قانون أداء ونتائج الحكومة في‏1993 (GPRA) وأصبح قانونا فإن الالتزام بالجودة قد تم مأسسته وطولبت الوكالات الفيدرالية بأن تطور خططا استراتيجية للكيفية التي تقدم بها منتجات وخدمات عالية الجودة للشعب الأمريكي‏,‏ وتحت هذا القانون أصبحت الخطط الاستراتيجية هي نقطة البداية للكل وكالة فيدرالية من أجل‏:‏
‏*‏ تأسيس وتحديد أهداف المستويات العليا للوكالة وغاياتها بالاضافة الي أهداف البرنامج السنوي‏.‏
‏*‏ تحديد كيف تنوي الوكالة إنجاز هذه الأهداف‏.‏
‏*‏ البرهنة علي كيفية قياس أداء الوكالة والبرنامج لتحقيق هذه الأهداف‏.‏
ويؤكد التقرير في الملخص التنفيذي والمقدمة أن قياس الأداء والمقارنة المرجعية قد أصبح واحدا من أهم مبادرات الاصلاح الحكومي‏.‏
‏*‏ أما عن الدراسة ذاتها فقد تضمنت أربعة أقسام‏,‏ الأول منها اختص باقامة وتحديث مقاييس الأداء‏,‏ القسم الثاني تعلق بتأسيس المساءلة عن الأداء أما القسم الثالث فجاء عن جمع وتحليل بيانات الأداء في حين توفر القسم الرابع والأخير علي موضع إعداد التقرير واستخدام معلومات الأداء‏,‏ وقد جاءت نتائج الدراسة علي النحو التالي‏:
(1)‏ القيادة مهمة وحرجة في تصميم وتعبئة نظم فعالة لقياس الأداء‏
(2)‏ يجب توافر اطار مفاهيمي لنظام ادارة وقياس الأداء‏
(3)‏ ان الاتصالات الفعالة ـ داخلية وخارجية ـ هي مفاتيح قياس ناجح للأداء‏
(4)‏ يجب ان تحدد المساءلة عن النتائج بدقة وتفهم جيدا‏
(5)‏ نظم قياس الأداء يجب ان توفر المعلومات المفيدة لصانعي القرارات وليس مجرد بيانات‏
(6)‏ يجب ان ترتبط نظم التفويض‏,‏ المكافآت‏,‏ والتقدير بقياسات الأداء‏
(7)‏ نظم قياس الأداء يجب ان تكون إيجابية وليست سلبية‏
(8)‏ النتائج‏,‏ والتقدم في اتجاه انجاز التزامات البرنامج‏,‏ يجب ان تكون محلا للمشاركة المفتوحة مع العاملين والزبائن وحملة الأسهم‏.‏


ولعله من الاضافات التي حققها هذا التقرير ما ورد به من تساؤل مهم مطروح دائما في مجال عرضنا هذا وهو‏:‏ ماذا نقيس؟
وقد أجاب التقرير أنه بغض النظر عن الحجم‏,,‏ القطاع‏,‏ التخصص‏,‏ للمنظمات التي نتحدث عنها‏,‏ فإنها بصفة عامة تتجه الي الاهتمام بنفس المجالات العامة للأداء وهي‏:
(1)‏ الاعتبارات المالية‏
(2)‏ رضاء الزبون‏
(3)‏ العمليات الداخلية للادارة‏
(4)‏ رضاء العاملين‏
(5)‏ رضاء المجتمع وأصحاب الأسهم‏,‏

ومن ثم فإن الحاجة تبدو واضحة الي اعادة النظر في حجم الحكومة‏,‏ والأكثر الحاحا بناء وتأسيس مقاييس فعالة للأداء الحكومي باعتبار ذلك أحد الشروط المهمة والمتطلبات الضرورية للإصلاح والتطوير‏.‏

والله ولي التوفيق
نشرت بجريدة الأهرام







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77033


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50128


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48774


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48358


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44826


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43311


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42881


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41706


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40664


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37906


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى