الإثنين,26 مارس 2012 - 08:50 م
: 10380    

كتب أ د عطية حسين أفندي أستاذ الادارة العامة كلية الاقتصاد‏ جامعة القاهرة

نشرت صحيفة الأهرام صباح الثلاثاء‏2003/12/23‏ مقالا‏(‏ مثيرا‏)‏ للأستاذة الدكتورة أماني قنديل المدير التنفيذي للشبكة العربية للمنظمات الأهلية ورائدة الدراسات العلمية في مجال المنظمات الأهلية‏,‏ بعنوان المجتمع المدني بين الرومانسية والواقعية وقد جاء ــ كعهدنا بإسهامات الدكتورة أماني قنديل ــ رفيعا مميزا ولكنه تضمن ميزة إضافية وهي الدعوة إلي النقاش وإثارة الحوار بل وأقول‏(‏ الحض عليهما‏).‏

fiogf49gjkf0d

ومن ثم أري هذا المقال رسالة تستنفر جهود الأكاديميين والخبراء والممارسين والمهتمين بالمجتمع المدني في مصر‏,‏ للإسهام بالآراء والأفكار خاصة بشأن الإجابة عن التساؤلات العشر الأساسية المطروحة فيه والتي أثارتها د‏.‏ أماني قنديل في مجال التصدي للتقييم الواقعي لحالة المجتمع المدني في مصر‏.‏

واستجابة لهذه الدعوة أبادر بكتابة هذا المقال مركزا علي بعض النقاط المنهجية التي أبغي من ورائها تحديد إطار المناقشة والجدل‏,‏ وأراها ضرورية قبل أن أخوض ــ أنا وغيري بطبيعة الحال ــ في مناقشة ما طرحته د‏.‏ أماني في مقالها‏,‏

وهي خمس ملاحـظات‏:‏
الملاحظة الأولي‏:‏ ضرورة التعريف والتحديد الدقيق‏.‏
هذه الملاحظة تتعلق بالإجابة عن تساؤل قد يبدو مستغربا وهو لماذا نعرف الأشياء والظواهر والموضوعات والمجالات التي نتباحث فيها ونتدارس؟
قد يكون الجواب المباشر كي لا تكون مناقشاتنا حول طرشان لكننا نجد أن التعريف يحقق ــ أيضا في العادة إحدي غايتين أو كلتيهما‏:‏

‏(1)‏ في معرض ورود فكرة جديدة‏,‏ أو مصطلح جديد‏,‏ أو مجال حديث‏,‏ تبدو الحاجة واضحة إلي تحديد ما نقصده بألفاظ مفهومة‏,‏ وهذه الألفاظ هي التعريف‏,‏ ومنها ننطلق إلي البحث والدراسة والنقاش والحوار وماشاكل ذلك‏.‏

‏(2)‏ أنه في غضون البحث والدراسة والنقاش والجدل‏,‏ قد نعرف فكرة أو مفهوما أو مصطلحا‏,‏ ثم تتزايد معلوماتنا عن هذا الذي عرفناه‏,‏ حتي يصير متعدد الجوانب والوجوه كثير الفروع فيضم المفهوم الواحد في أذهاننا أكثر من صورة‏,‏ ويستدعي إلي مخيلتنا أفكارا شتي ترتبط به‏.‏
وفي هذه الحالة تكون الشكوي ليست من أننا لا نعرف ما نتكلم عنه‏,‏ ولكن الشكوي تصبح من أن ما نتكلم عنه قد اتسعت حلقاته حتي صار بحاجة إلي تحديد‏,‏ أو غامت مفاهيمه أو تميعت فصارت بحاجة إلي توضيح وتثبيت‏.‏

في هذا السياق يجيء مصطلح المجتمع المدني فنجد أكثر من عشرين تعريفا له‏,‏ منها ما هو إجرائي مثل المجتمع المدني هو جملة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة‏,‏ منها أغراض سياسية كالمشاركة في صنع القرار علي المستوي الوطني ومثال ذلك الأحزاب السياسية‏,‏ ومنها غايات نقابية كالدفاع عن المصالح الاقتصادية لأعضاء النقابة والارتفاع بمستوي المهنة والتعبير عن مصالح أعضائها‏,‏ ومنها أغراض ثقافية كما في اتحادات الكتاب والمثقفين والجمعيات الثقافية التي تهدف إلي نشر الوعي وفقا لاتجاهات أعضاء كل جمعية‏,‏ ومنها أغراض اجتماعية للإسهام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية‏.‏
كما يقصد بالمجتمع المدني مجموعة المنظمات والممارسات التي نتشأ بالإرادة الحرة لأبناء أي مجتمع في استقلال نسبي عن المؤسسات الإرثية مثل الأسرة والعشيرة والقبيلة من جانب وعن الدولة ومؤسساتها الحكومية من جانب آخر

بهذا التعريف فإن تنظيمات المجتمع المدني كيانات وسيطة بين العائلة والدولة‏,‏ وتدخل ضمن هذه التنظيمات الطوعية الوسيطة‏:‏ الجمعيات الأهلية‏,‏ النقابات العمالية‏,‏ الاتحادات المهنية‏,‏ الأحزاب السياسة‏,‏ الصحافة ووسائل الاتصال المستقلة‏.‏
كما يري البعض أن عبارة المجتمع المدني تشير إلي المجموعة العريضة من الجماعات غير الحكومية وغير التجارية والمنظمة بشكل رسمي بدرجة أو بأخري‏,‏ التي تسعي بطريقة أو بأخري إلي توطيد ما هو قائم من القواعد والمعايير والهياكل الاجتماعية أو تغييرها‏.‏

وتعرف د‏.‏ أماني قنديل المجتمع المدني بأنه مجموعة التنظميات الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها‏,‏ ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف‏.‏
والخلاصة هنا أن المجتمع المدني يشتمل علي تنوع هائل‏,‏ وأن الروابط المدنية لها نطاق واسع الاختلاف من الأغراض والأحجام والعضوية‏,‏ ومستويات الموارد‏,‏ والأشكال المؤسسية‏,‏ والثقافات التنظيمية وأساليب إدارة الحملات وغير ذلك‏.‏

إذن يصعب وضع تعميم حول المجتمع المدني في مصر‏,‏ فهو تقريبا يضم‏(‏ وفق دراسة نشرت عام‏1998)‏ حوالي‏25‏ ألف تنظيم تقريبا منها‏14‏ ألف جمعية‏(‏ اليوم نتحدث عن‏16700‏ جمعية وفق المصادر الرسمية‏)‏ و‏5‏ آلاف جمعية تعاونية‏,‏ و‏5‏ آلاف ناد ومركز شباب‏,‏ و‏100‏ غرفة تجارية وصناعية‏,25‏ نقابة مهنية وعمالية‏,14‏ حزبا سياسيا‏,‏ فهل نستطيع أن نتناول بالتقييم الواقعي كل هذه التنظيمات في سياق واحد وبمعايير متماثلة ومؤشرات متشابهة أم يحتاج الأمر إلي تخصيص وتبويب وتصنيف وتقييم كل منها علي حدة‏,‏ أو بعض منها متسق‏,‏ أم ماذا بالضبط تري د‏.‏ أماني قنديل ويري المهتمون بهذا المجتمع المدني؟ ويتفرع من ذلك التساؤل المهم في رأينا تساؤل آخر حول ما تقصده د‏.‏ أماني في دعوتها للتقييم الفعلي هل المجتمع المدني برمته مع ما يواجهنا من تنوع واختلاف يصعب من مسألة التقييم ذاتها ويصعب أكثر من إمكانية تعميم نتائج التقييم‏,‏ أم ما تقصده سيادتها هو المنظمات غير الحكومية‏(‏ الجمعيات الأهلية في مصر‏)‏؟

الملاحظة الثانية‏:‏ خاصة بعملية التقييم‏.‏
وهنا أوكد أهمية وضرورة دعوة د‏.‏ أماني قنديل للقيام بعملية تقييم دقيق لأداء‏(‏ المجتمع المدني‏)‏ في مصر‏,‏ ولكن يبقي التساؤل عن طبيعة ومفهوم عملية التقييم هذه هل مقارنة النتائج المحققة بالأهداف المحددة؟ هل هي عملية تقييم برامج وأنشطة؟
هل هي عملية تطبيق مناهج تحليل نظامية لإثارة التساؤلات حول عمليات البرنامج والنتائج كما تذهب عدة دراسات؟ أم كل هذا في منظومة قياس الأداء التي تضمن المدخلات‏,‏ المخرجات‏,‏ العوائد‏,‏ أهداف الأداء؟

وإذا ما اتفقنا علي أي منها أو بعضها فكيف نختار منها ما يناسب تنظيمات المجتمع المدني انطلاقا من الملاحظة الأولي الخاصة بالتعدد والتباين والاختلاف وما الي ذلك‏.‏
هل يتم التقييم باتباع مدخل المقارنة المرجعية‏
Benchmarking‏ أو ما يسمي بالمقارنة بمقياس نموذجي أو القياس الي نمط مثالي أو المقارنة بنموذج قياسي وكلها ترجمات صحيحة لتلك اللفظة الإنجليزية‏.‏

وهذا المفهوم من المصطلحات التي نمت وتطورت خلال السنوات القليلة الماضية ونعني به التعرف علي ـ والتعلم من ـ أفضل التطبيقات في أي مكان في العالم باعتبار ذلك أداة قوية تستخدم لتقييم الواقع والتقدم نحو تحسين الأداء‏.‏
كما تعرف ببساطة بأنها العملية المنظمة للبحث في أفضل التطبيقات والأفكار المبتكرة والإجراءات العملية الفعالة التي تؤدي الي أعلي مستوي للأداء‏,‏ وكذلك يشير البعض الي المقارنة المرجعية باعتبارها أسلوب عمل يهدف الي التحفيز علي تحسين الأداء من خلال وضع تصميمات لأفضل الممارسات في إطار مقارنة بين المنظمات وذلك من خلال معايير للأداء تساعد علي معرفة العوامل التي مكنت احدي المنظمات من تحقيق أداء أفضل‏.‏

الملاحظة الثالثة‏:‏ القيود والمحددات المؤثرة علي أداء منظمات‏(‏ المجتمع المدني‏)‏
في هذا السياق قد يكون ملائما أكثر لو بدأنا بتحديد القيود والمحددات التي ترد علي أداء المجتمع المدني ذلك أن الوقوف عليها يساعد علي اكتمال جوانب الصورة حيث تمثل نقطة الانطلاق نحو تقييم الأداء بالنظر الي أفضل الممارسات كما اقترحنا‏.‏
إن عرض وتناول هذه القيود والمحددات يؤثر علي النتيجة النهائية‏,‏ ونتصور أن عدم تحديدها يمكن أن يؤدي الي نتائج غير دقيقة وقد تكون ظالمة أو مجحفة بل ومحبطة‏.‏ إذن النظرة الواقعية الي ظروف وأحوال المجتمع المدني شرط لازم للبدء في عملية التقييم سعيا نحو التوصل الي نتائج ذات مصداقية عالية‏,‏ نعم نشر عدد من المقالات التي تناولت أهم مشكلات العمل الأهلي في مصرـ علي سبيل المثال ـ لكن ما ندعو اليه هو كتابة علمية رصينة عن أهم القيود والمحددات التي تؤثر علي أداء منظمات المجتمع المدني دون تفصيل ممل أو تبسيط مخل‏.‏

الملاحظة الرابعة‏:‏ تتعلق بالتمييز الذي تقيمه د‏.‏ أماني قنديل بين المؤسسات و المنظمات
تذهب د‏.‏ أماني قنيل في دراستها المنشورة بمجلة عالم الفكر‏(‏ المجلد السابع والعشرون ـ العدد الثالث ـ يناير‏/‏ مارس‏1999)‏ الي ضرورة التمييز بين المؤسسة والمنظمة انطلاقا من أن المؤسسة هي حجر الزاوية في بناء المجتمع وهي مجموعة قوانين راسخة يتم وضعها لمقابلة المصالح الجماعية وهي أنماط مستقرة للسلوك الذي يتم الاعتراف به وتنميته من قبل المجتمع‏.‏
إنها ـ أي المؤسسات ـ في رأي د‏.‏ أماني قنديل‏(‏ تنظيمات‏)‏ تتمتع بشرعية لاشباع حاجات الناس والدفاع عن حقوقهم عبر الزمن‏.‏

أما تعريف المنظمات عند د‏.‏ أماني فهو أنها وحدات اجتماعية ذات غرض ودور محدد داخل اطار مؤسسي أوسع‏,‏ وأن تطويرها لا يؤدي بالضرورة الي التغيرات في البنية الاجتماعية‏.‏
الحق أقول أنني لم أطمئن الي هذا التمييز خاصة مع التعريف الذي أشرت اليه آنفا للمجتمع المدني الذي تقدمه د‏,‏ أماني قنديل نفسها‏,‏ وأري أن المسألة ربما لا تحتاج الي هذا الجهد للتمييز بين المؤسسة والمنظمة‏,‏ بل ربما نتحدث فقط عن الانتقال في المنظمات ـ عن طريق بناء القدرات الي مرحلة البناء المؤسسي‏.‏
ومع ذلك اذا أقنعتنا د‏.‏ أماني قنديل بحيثيات أكثر تفصيلا بضرورة هذا التمييز علي الفور أعيد التفكير في هذه المسألة‏.‏

الملاحظة الخامسة والأخيرة‏:‏ لماذا الآن؟
هذا التساؤل أعتقد في جدوي طرحه حيث إن التوقف الآن عن الحلم والبدء في الواقعية يعني أن‏(‏ المجتمع المدني‏)‏ في مصر قد أصبح يافعا ناضجا بحيث نخضعه للمساءلة ومن ثم التقييم وقد يري البعض أنه لم يصل بعد الي هذه المرحلة إذن نحتاج الي تحديد عمر هذا المجتمع المدني لكي نكون عادلين في محاسبته‏.‏
يرتبط بذلك أيضا مسألة مهمة وهي هل دعوة د‏.‏ أماني قنديل الآن مردها ما تراه ونراه جميعا من انسحاب الدولة من أداء عدد من وظائفها التقليدية ورفع يدها عن كثير من أشكال دعم المواطنين خاصة الفقراء‏,‏ أم خيبة الأمل في دور فاعل مسئول للقطاع الخاص‏,‏ أو كليهما؟

وإذا كان الأمر كذلك فإن المحصلة في رأينا هي أننا نحمل المجتمع المدني عبئا ثقيلا ينوء به ونتصور أنه قادر علي أن يقوم بأدوار الحكومة التي تخلف عنها والقطاع الخاص الذي لم يقدم لنا ـ في تصوري ـ حتي الآن أوراق اعتماد موثوقا بها‏.‏
ومع ذلك أدعي دائما أن الأمل هو أن تقوم المنظمات غير الحكومية بدور مؤثر في ملء الفجوة بين ما لا تقدر عليه الحكومة ـ أيا كانت أسباب عدم القدرة ـ ولا يرغب فيه القطاع الخاص باعتباره هادفا للربح بل أقصي ربح ممكن‏.‏
إذن لا نريد أن نقسو علي المجتمع المدني أو نبخسه حقه‏.‏

وبعد‏...‏
فأرجو أن أكون محقا في طرحي هذه الملاحظات الخمس التي تمثل اجابات الأسئلة التي طرحتها ـ في تقديرنا ـ اطارا مناسبا وأرضية مشتركة ننطلق منها لمناقشة ما طرحته د‏.‏ أماني قنديل من تساؤلات عشرة أحسب كلا منها بحاجة الي تناول خاص‏.‏
وفقنا الله لخدمة الوطن الحبيب

42762

‏السنة 127-العدد

2004

يناير

4

‏11 من ذى القعدة 1424 هـ

الأحد







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77033


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50128


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48774


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48358


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44826


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43311


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42881


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41706


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40664


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37906


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى