الإثنين,26 مارس 2012 - 08:55 م
: 10143    

كتب أ د عطية حسين أفندي أستاذ الادارة العامة كلية الاقتصاد‏ جامعة القاهرة

في غمار العولمة طرحت الدوائر السياسية والبحثية الغربية والمنظمات الدولية العالمية في الآونة الأخيرة مفهوما جديدا يهدف إلي صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع وهو مفهوم الـ‏Governance‏ الذي ترجمه البعض إلي الحكومة الجيدة

fiogf49gjkf0d
وأطلق عليه البعض أسلوب الحكم الجيد بل وذهب البعض إلي تبني تعبير الحكم المتحد وهناك الحكم الشامل والحكم العام والحاكمية  والمحكومية والحوكمة وإلي غير ذلك من التعبيرات التي يترجم بها الباحثون هذه الكلمة‏Governance ‏ ونراها نحن تعبيرا عن أسلوب الحكم الموسع‏.‏
ويعرف أسلوب الحكم الموسع هذا بأنه عقد جديد بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في اطار شراكة ثلاثية بهدف تعبئة أفضل لقدرات المجتمع وإدارة أكثر رشادة لشئون الحكم‏,‏ وينطوي هذا المفهوم علي إعادة تجديد مجالات العمل والنشاط لكل من تلك القطاعات الثلاثة‏,‏ فتصبح الريادة في الحياة الاقتصادية في يد القطاع الخاص في ظل اقتصاد تنافسي قائم علي مبدأ الحرية الاقتصادية‏,‏ وتعمل الحكومة علي ضمان الحرية السياسية والاقتصادية من خلال ايجاد أطر قانونية تعزز ذلك وترفع كفاءة أداء الجهاز الإداري‏,‏ وتعمل علي تنمية الموارد البشرية عبر الاهتمام بالمجالات التعليمية والصحية ثم اخيرا تحافظ علي مساواة الأفراد أمام القانون‏,‏ أما المجتمع المدني‏,‏ الطرف الثالث في الشراكة‏,‏ فإن عليه تعبئة جهود الأفراد في منظمات قوية تشارك بفعالية في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية‏,‏ وتعلب دورا في التأثير في السياسات العامة‏.‏

من بين المفاهيم أيضا التي صاحبت عملية العولمة أو علي الأقل أكدتها هذه العملية عليها وكرستها مفهوم الشفافية الذي يعني علانية القرار‏,‏ فالقرار السري لا يمكن أن يناقش والأعمال الخفية لا يمكن المساءلة عنها‏,‏ وحجب المعلومات عن المهتمين كفيل بتعطيل المشاركة والتي بدونها يصعب الوصول إلي حلول تتسم بالاستدامة‏.‏

والشفافية في عمل الإدارة العامة تعتمد علي كشف الاهتمامات والاهداف والدوافع والموارد والإعلان عن المبادئ‏,‏ وتتضمن حقوق المنظمات الحكومية وغير الحكومية والمواطنين في الاطلاع علي جميع الحقائق المتعلقة بالعمل والأنشطة والبرامج والتمويل والتعاقدات وما شاكل ذلك‏.‏
الشفافية في مجال الإدارة العامة تعني في التحليل الأخير أن تكون أعمال الحكومة والأجهزة الإدارية العامة في صندوق من زجاج‏.‏

في هذا السياق أصبح من غير الممكن للموظفين العامين الآن تجنب الإلمام بأهم التطبيقات الحديثة التي لم يعتادوا علي استخدامها في السابق‏,‏ مثل دراسات الجدوي وتحليل التكلفة المنفعة وغيرها‏,‏ إنهم مطالبون الآن كذلك ـ في ظروف الانفتاح الاقتصادي والتعددية السياسية المتزايدة ـ أن يواجهوا ليس فقط الرئيس أو الوزير المختص كما كان الحال سابقا‏,‏ بل أصبح عليهم أن يشرحوا السياسات والإجراءات للقيادة السياسية وللبرلمان وللصحافة وللرأي العام‏..‏ إلخ‏.‏ وقد يقاوم بعضهم الشفافية أو المكاشفة التي تطرح أعمالهم للعيون الفاحصة المرتقبة وللألسنة الحادة‏.‏

ومن ثم أصبح الموظف العام مطالبا اليوم ـ أكثر مما كان في السابق ـ بتنمية قدراته علي شرح التعديلات والتغييرات في السياسات والخدمات ليس فقط لرؤسائه وللسياسيين‏,‏ بل للمجتمع كله بصورة اجمالية وبخاصة جماعات المتعلمين وصانع الرأي العام‏,‏ فضلا عن الفئات الاجتماعية المتضررة ولذلك لابد أولا من اختيار موفق لعنصر التوقيت في إعلان أو تنفيذ خطوات معينة من برامج الاصلاح‏,‏ ولابد من اكتساب بعض المهارات في عرض وتغليف‏packaging ‏ السياسات والإجراءات غير المستحبة وأخيرا لابد من تنمية قدرات الموظف العام علي الشرح والاقناع‏.‏
من بين تأثيرات العولمة كذلك تعميق مساءلة الإدارة العامة ويعد ذلك تلامسا مباشرا مع ما يمكن تسميته بديمقراطية الإدارة العامة وعاملا محوريا في تحديد قدرتها علي تنفيذ السياسات العامة بكفاءة وفعالية وبيان مدي استجابتها لاحتياجات المواطن‏.‏

ويمكن النظر إلي المساءلة في الإدارة العامة بوصفها منظومة تبدأ بالمساءلة التقليدية المفروضة التي تركز علي مدخلات المنظمات العامة‏,‏ وتنتهي بالمساءلة الاجتماعية التي تركز علي المخرجات‏,‏ وبينهما نوعين آخرين للمساءلة هما مساءلة البرامج التي تنصب علي المخرجات أيضا ومساءلة العملية التي تتناول الأنشطة والعمليات التي تتم من خلالها تحويل المدخلات إلي مخرجات‏.‏

بل أصبحنا اليوم نتحدث عن مساءلة المواطن للإدارة العامة سواء قام بذلك علي نحو فردي أو من خلال الاشتراك في مجموعات صغيرة‏,‏ وتذهب الأدبيات في هذا الشأن إلي ثلاثة مستويات في مساءلة المواطن للإدارة العامة أولها المشاركة في الأنشطة الإدارية‏,‏ وثانيها الانتاج المشترك مع الإدارة‏,‏ وثالثها وآخرها مساءلة الإدارة بشأن المنتج النهائي‏.‏
وبإعمال الشفافية والمساءلة يصبح من الصعب علي الموظف العام التورط بسهولة في أي عمل أو ممارسة من الممارسات غير الأخلاقية‏,‏ وفي ذات الوقت يصبح من الصعب علي كبار المسئولين رسم سياسات أو اتخاذ قرارات لا تلقي شعبية كبيرة من قبل المواطنين‏.‏
العولمة تعني أشياء كثيرة بالنسبة للكثيرين‏,‏ فمثلا يعتبرها الاقتصاديون خطوة نحو سوق عالمية متكاملة‏,‏ وبعض علماء السياسة يرونها ابتعادا عن المفهوم المحدد للدولة وسيادتها الاقليمية وتسمح للمنظمات غير الحكومية الدخول في النظام العالمي‏,‏ واساتذة ومستشاري‏(‏ الأعمال‏)‏ يرون العولمة عالما بلا حدود وأنها كظاهرة مستقاة من شركات القطاع الخاص وليس من الحكومات‏.‏

أما المختصون بالإدارة العامة والسياسات العامة فقد تنبأ بعضهم بأن المؤسسات العالمية ستخلق نظاما يهيمن علي حكومات الدول فتكون القرية العالمية وحكومة العالم تصاحبها الإدارة العالمية وقد حاول بعض المنظرين هنا تطوير نظرية كونية عالمية للإدارة العامة‏,‏ يقابل ذلك اجتهاد بعض آخر منهم يعارض فكرة نهاية الدولة وينادي بالاصرار علي حكومة الدولة بكل ما يتبعها من تطبيقات الإدارة العامة‏.‏

ومع بداية الألفية الجديدة تشرق علينا ما يمكن أن نبالغ في وصفه بـ حضارة جديدة وقد كانت التغييرات الوصفية لهذه الحضارة موضع عديد من الدراسات‏,‏ علي سبيل المثال تحدث هنتنجتون عن تصادم الحضارات وتنبأ قبله فوكوياما بنهاية التاريخ والانسان بينما يشير كوربين إلي العودة إلي القرون الوسطي‏.‏

وقمة هذه التغيرات هي العولمة سواء كظاهرة أو عملية أو أيديولوجية‏,‏ والتي يحدث من خلالها التكامل والتواصل علي مستوي العالم‏.‏

في هذا السياق نجد أن هناك تحديا دوليا جديدا يواجه الإدارة العامة في مجالات البحث‏,‏ التعليم‏,‏ الممارسة بعد أن دخلت مرحلة جديدة من الحضارة الانسانية مع مستقبل تضيئه وتظلمه في آن واحد العولمة‏.‏

ونختتم هذا المقال عن أبرز تأثيرات هذه العولمة علي الإدارة العامة‏,‏ بأننا نري أنه مهما اختلفت التقديرات وتباينت الآراء بل وتضاربت التوقعات‏,‏ فإنه من المؤكد أن الدولة باقية وأن الإدارة العامة مستمرة لكن بأدوار مختلفة وقيم وثقافة وآليات وحجم واختصاصات ومسئوليات جديدة‏.‏

43391

‏السنة 130-العدد

2005

سبتمبر

24

‏20 من شعبان 1426 هـ

السبت

 







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77033


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50128


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48774


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48358


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44826


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43311


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42881


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41706


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40664


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37906


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى