الإثنين,26 مارس 2012 - 08:57 م
: 10484    

كتب أ د عطية حسين أفندي أستاذ الادارة العامة كلية الاقتصاد‏ جامعة القاهرة

عرفت مصر أقدم تنظيم بيروقراطي علي وجه الأرض علي الاطلاق سواء علي المستوي المركزي أو المحلي‏,‏ والآثار الفرعونية خير شاهد علي ذلك وتتسم البيروقراطية بعدة سمات أهمها‏:‏ التضخم ـ تعدد المستويات ـ كثرة العاملين ـ التمسك بحرفية القوانين ـ الاسراف وارتفاع التكلفة الاقتصادية ـ المحاباة ـ ضعف الخلق الاداري ـ المركزية الشديدة ـ الجنوح نحو النمطية ـ عدم الأخذ بالأساليب الحديثة ـ اضفاء طابع السرية الشديد والبيروقراطية‏,‏

fiogf49gjkf0d

بهذه السمات يجب اخضاعها دائما للمساءلة لتكون في خدمة الصالح العام خاصة‏,‏ ان لها دورا مهما في صنع وتنفيذ السياسات العامة‏.‏

هذه الفكرة العامة والأساسية عن البيروقراطية المصرية تداعت الي ذهني وأنا أتابع يوميا ـ تقريبا ـ تطورات قضية مصنع أجريوم بجزيرة رأس البر بمحافظة دمياط‏,‏ وكانت النتيجة لهذه المتابعة والربط مع خصائص البيروقراطية المصرية وسماتها أن ثارت في ذهني‏(‏ حتي الآن‏)‏ عدة تساؤلات تلح في البحث عن اجابات‏,‏ وأهم هذه التساؤلات‏:‏

التساؤل الأول‏:‏ عن دور البيروقراطية في مجال الاستثمارات الأجنبية‏,‏ في هذا السياق نجد أن تعدد القواعد والاجراءات وسرعة تغيرها‏,‏ وعدم الاعلام الكافي عنها ـ إضافة إلي العيوب السابق ذكرها ـ تجعل اجراءات وخطوات الاستثمار بالنسبة لمدير أعمال أجنبي غير خبير بهذه البيروقراطية بمثابة صندوق أسود يتعذر فهم اعماله الداخلية‏,‏ وغالبا ماتؤدي إلي نتائج يصعب التنبؤ بها‏.‏

هنا يجد المستثمر الأجنبي بالذات نفسه بين شقي الرحي فهو يتعامل مع القوانين والقرارات المصرية في الوقت الذي يتعامل فيه مع قوانين وقرارات حكومة بلاده مع الاختلاف القائم بينهما وهو اختلاف منطقي لاختلاف القوانين والنظم السياسية والاقتصادية والسياسية‏.‏ ويصبح هذا المستثمر الأجنبي في حاجة الي مساعدة شخص آخر له خبرة مواجهة عيوب البيروقراطية المصرية‏.‏

التساؤل الثاني‏:‏ يتعلق بنتائج المعوقات سالفة الذكر‏,‏ والغالب أن لها تأثيرا ذا شقين أو بعدين‏:‏ زيادة مخاطر الفشل في توصيل الطرفين المتفاوضين‏(‏ البيروقراطية المصرية ـ المستثمر الأجنبي‏)‏ إلي اتفاق أو يتفقان ظاهريا أكثر منه فعليا‏,‏ أي أن الاتفاق الذي يتم التوصل اليه لن يبقي ويصمد حتي النهاية‏.‏ اطالة الوقت اللازم للتوصل الي اتفاق وزيادة الجهد اللازم بذلك في هذا الصدد‏.‏ فهل حالة مصنع أجر يوم تعبر عن الأثر الأول أم الثاني أم الأثنين معا؟

التساؤل الثالث‏:‏ عن الازدواجية كأحد مظاهر اختلال الجهاز الاداري للدولة وهي سمة واضحة في معظم المنظمات والأجهزة الادارية والأمثلة علي ذلك عديدة والتداخل بين الهيئات واضح‏,‏ وكثيرا ماتقوم بأنشطة متشابهة يمكن دمجها ومن ثم التقليل من عددها‏.‏

التساؤل الرابع‏:‏ ويتعلق بفكرة التتابع بمعني تعدد الحالات التي تستدعي موافقات عدة جهات دون تخطيط منطقي لمسار تتابع هذه الأنشطة‏,‏ وهنا نتساءل اليس مفيدا ان يعرف المستثمر الأجنبي الخطوات التتابعية للحصول علي الموافقات اللازمة لبدء نشاطه أم يلجأ إلي هذه الجهة الادارية أو تلك حسب الظروف وماتأثير ذلك علي الموافقات نفسها بمعني لو كان هناك ترتيب منطقي وزمني للموافقات هل سيؤدي ذلك إلي تسهيل الموافقات وسرعة انجازها طالما تري جهة ماأن الجهة السابقة عليها قد أقرت الموافقة أم لا تتأثر الجهة بذلك وتعمل مستقلة في تقديرها‏.‏ وهنا نجد أنفسنا حياري بين المرونة والصرامة كحالتين نسبيتين في تعامل تلك الجهات الادارية‏,‏ وفي حالتنا هذه نجد مجلس الوزراء ـ الهيئة العامة للاستثمار ـ هيئة التنمية الصناعية ـ جهاز شئون البيئة ـ وغيرها‏.‏

التساؤل الخامس‏:‏ وهو خاص بالدعوة التي رفعها الأستاذ محمد البرقوقي رئيس المجلس الشعبي المحلي لمحافظة دمياط ضد أجر يوم والتي يطالب فيها بتعويض قدره ثلاثة مليارات جنيه عن قطع آلاف الأشجار من النخيل والموالح والجوافة‏,‏ وكان رد الشركة في هذا الخصوص أنه لم تكن هناك أية أشجار وعلي المدعي اثبات مايقوله‏.‏ هل هذا معقول؟ ألا توجد لدي البيروقراطية المصرية أية خرائط مساحية أو صور مستندات تنهي هذا الجدل السخيف؟

التساؤل السادس‏:‏ يتعلق كذلك بالدعوة المشار إليها لكن في بند آخر وهو خاص باتهام الشركة بنزع ملكية‏120‏ فدانا مما ادي إلي تشريد مئات الاسر التي أصبحت بلا مأوي أو عمل‏,‏ وكان رد الشركة أن أرض الموقع مملوكة لجهاز تعمير مدينة دمياط الجديدة طبقا للقرار‏546‏ لسنة‏1980,‏ الخاص بإنشاء ميناء ومدينة دمياط الجديدة‏,‏ أي أكثر من عشرين عاما‏.‏ وهي مخصصة بالقرار الجمهوري رقم‏208‏ لسنة‏2001,‏ لإنشاء مجمع بيتروكيمياويات لمصلحة لشركة القابضة للبتروكيمياويات احد شركاء اجريوم‏...‏ إلخ‏.‏ التساؤل هنا هل يصعب علي البيروقراطية المصرية أن تحسم هذه المسألة؟ لماذا تتركنا نهبا للهواجس ونفتح الباب واسعا أمام اجتهادات ربما لايكون لبعضها خالصا لوجه الله والوطن‏.‏

التساؤل السابع‏:‏ مامعني أن تكون حصة الشركة القابضة للبتروكيمياوات في اجريوم المصرية‏24%,‏ فقط؟ هل هذا ـ كما يقول للافلات من رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات الذي يشترط نسبة‏25%,‏ ليبسط ولايته في المسألة؟

التساؤل الثامن‏:‏ ويدور حول الوزن النسبي ـ إذا كان هناك ـ للموافقات المختلفة من الأجهزة الإدارية المعنية‏,‏ هل كلها متساوية في القيمة بحيث أن عدم إعطاء موافقة من قبيل جهة ما وليكن مثلا هيئة التنمية الصناعية يعد بمنزلة فيتو يوقف إجراءات إقامة المشروع أم لا؟ كيف تحسب أهمية الموافقا لأحد يعرف‏.‏

يؤكد ذلك ماكشفه الخطاب الذي ارسلته وزارة الكهرباء والطاقة إلي العضو المنتدب لشركة أجريوم للبتروكيمياوات‏,‏ ترفض فيه الوزارة مد الكهرباء إلي مصنع الأسمدة التي تنشئه الشركة إلا بعد الحصول علي الموافقة من محافظة دمياط باعتبارها الجهة التي تراجع التراخيص‏,‏ فهل عدم موافقة المحافظة يوقف اثر كل الموافقات الصادرة من الجهات الأخري؟

التساؤل التاسع والأخيرـ وهو تساؤل مركب‏:‏ هل نحن أمام حالة واضحة للمساءلة غير الرسمية للبيروقراطية المصرية؟ يقصد بالمساءلة غير الرسمية مختلف صور وأشكال المساءلة التي تخرج عن نطاق المساءلة الرسمية والتي تتمثل بصفة عامة في المنظمات غير الحكومية‏,‏ الرأي العام‏,‏ الإعلام المستقل‏,‏ المواطن‏,‏ والمسألة المهنية والأخلاقية‏.‏

هل نحن أمام صورة جديدة من صور الاعتراض في اضرابات‏..‏ ولا اعتصامات ولا مظاهرات ولا أية مظاهر للعنف‏,‏ بل لافتات سوداء ونعوش سوداء ربما يكون تأثيرها أكبر‏.‏ هل يعيد التاريخ نفسه ويجسد في قضية أجريوم ماحدث بخصوص قضية هضبة الأهرام الشهيرة التي ثارت عام‏1975‏ وانتهت عام‏1978‏ بعد تصاعد المساءلة الرسمية وغير الرسمية للأجهزة الادارية عن المخالفات العديدة التي وقعت سواء في التعاقدات أو في بدء التنفيذ بإلغاء مشروع تخصيص الأراضي الواقعة علي كل من هضبة الأهرام ورأس الحكمة للاستغلال السياحي وان تحملت الحكومة المصرية في النهاية بعد حكم محكمة التحكيم بواشنطن قيمة تعويض الشركة البريطانية التي كان مقدرا لها مباشرة ذلك النشاط‏.‏ أخيرا هل تنجح لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب في فك طلاسم الصندوق الأسود للبيروقراطية المصرية‏.‏


44384

‏السنة 132-العدد

2008

يونيو

13

‏9 من جمادى الآخر 1429 هـ

الجمعة







التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77033


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50128


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48774


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48358


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44826


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43311


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 42881


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41706


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40664


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37906


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى