فتح شمال إفريقيا

28-05-2012 08:44 AM - عدد القراءات : 22720

لمــا ولـي عبد الله بـن سـعد بن أبـى السرح ولايـة مصر من قبـل عـثمــان بـن عـفــان؛ كـتب إليه أن الروم الذين لا يزالون يسيطرون عــلى شـمــال إفريقيـا يغيرون عـلى حدود مصر الغربيـة، و لابد مـن مـواجـهتهم قبـل أن يتجرءوا ويهـاجموا مصر نفسهـا، فـاقتنع عـثمــان بعد أن استشـار كبـار الصحـابـة، وأذن له بتجريد حمـلات عـسكـريـــة لردعـهم وكـف عـدوانـهم
فتح شمال إفريقيا
fiogf49gjkf0d
كـمــا أرســل إليـه جـيشًا مـن المـديـنــة مـددًا، يـضم عددًا من الصحـابـة كـابن عبـاس، وعبد الله بـن الزبـير رضــى الله عـنهـمــا. وفــى سـنـة 27هـ = 647م انطـلق جـيش المـســلمـين بـقيــادة عبد الله بـن سـعد، وتوغـل غربًا حتـى وصــل إلى قـرطــاجـنــة عـاصمـة إقـليم تونس فـى ذلك الوقت، ودارت عـدة مـعـــارك بـين المـســـلمـين وبـين مــلكـهــا جـريـجوار أوجـرجير كمـا تسميه المصـادر العربيـة، انتهت بـانتصـار المسـلمين وقـتــل المــلك جـريـجوار عــلى يـد عبد الله بـن الزبير. ولم تكن تــــلك الحـمـــلة تـهدف إلى الاسـتقـرار، بـــل إلى ردع العـدوان، ولذا اكـتفــى عبد الله بـن سـعد بـعقـد مـعـاهدات صـلح مع زعمـاء تـلك البــلاد تـعهـدوا فـيهـا بدفع مبـلغ كبير

وصـل المسـلمون فـى أواخر خـــلافـــة عـثمــان إلى تـونـس الحــاليــة، لكـنهـم لم يـواصــلوا فتوحـاتهم بسبب الفتن التـي استمرت حتـى نهـايـة خـلافـة عـلى بن أبــى طـالب 36 - 40هـ، فـلمـا استتب الأمر لمعـاويـة سنـة 41هـ، كــانـت جـبهــة شـمــالي إفريقيـا أولى الجبهـات التـي اهتم بهـا، لأنـهــا كــانـت تـخضع لنفوذ الدولة البيزنطيـة التـي عزم عـلى تضييق الخنـاق عـليهـا، فـأرسـل سنـة 41هـ حمـلة إليها بـقيــادة مـعــاويــة بـن حـديج، ثم أرسـله عـلى رأس حمـلة أخرى سـنــة 45هــ، فـاستطـاع أن يفتح العديد من البـلاد، مثـل جـلولاء وسـوسـة. أسند معـاويـة بن أبـى سفيـان قيـادة الجيش الفـاتح إلى عُقـبــة بـن نــافـع، وهـو واحـد مـن كـبـار القـادة الذين لمعت أسـمــاؤهـم فــي الفتوحـات الإسـلاميـة فـى العصر الأموي، ولم يكن عُقـبــة جـديـدًا عـلى الميدان، فقد شـارك فـى فتح تـلك البـلاد منذ أيــام عـمرو، واكـتسـب خـبرة كبيرة، فواصـل فتوحـاته فـى هذه الجـبهــة. ولمــا رأى عقبـة اتسـاع الميدان، وبعد خطوط مواصـلاته عـن قـواعـده فــي مـصر، شـرع فــي بـنــاء مدينـة تكون قـاعدة للجـيش، ومـركـزًا لانـطــلاقــاتـه وإمـداداته، فبنـى مدينـة القيروان 50 – 55هــ بــإذن مـن معـاويـة، وكـان لهذه المدينـة شـأن عظيم فــي الفـتوحــات وفــى الحـركــة العـلميـة، وأثنـاء تـأسيسهـا كـان عـقبــة يـرســل السرايـا للفتح، ويدعو النـاس إلى الإسـلام، فدخـل كـثيـر مـن البـربـر -سـكــان البــلاد- فــي الإســلام. ظـل عقبـة بن نـافع يواصـل فتوحـاته ونشر الإسـلام حتـى عزله معـاويـة وولَّى مـكـانه قـائدًا آخر، لا يقـل عنه شجـاعـة وإقدامًا، وحبـا للجهـاد فـى سـبيــل الله، هـو أبـو المـهــاجـر ديـنــار، وكـان يتمتع إلى جـانب مـهــارته العسكريـة بقدر من الكيـاسـة وحسن التصرف والفطنـة، فقد أدرك أن البـربـر سـكــان الشـمـال الإفريقـي قوم أشداء، يعتدُّون بـكرامـتهـم ويـحرصـون عــلى حـريتهم كـالعرب تمـامًا، وأن سيـاسـة الليـن والتـســامـح قـد تـجدي مـعهـم أكـثر مـن سـيـاسـة الشدة. وقد نـجحـت سـيــاســة أبـى المهـاجر فـى اجتذاب البربر إلى الإسـلام، وبـخــاصــة عـندمــا أظـهر تـســامـحًا كـبيـرًا مع زعيمهم كسيـلة بن لمـزم، و عــامــله فــي إجــلال وإكرام، فـأسـلم الرجـل متـأثرًا بتـلك المـعــامـلة، وأسـلم بـإسـلامه طـائفـة كبيرة من قومه. وفـى مقـابـل تــلك السـيــاســة المتسـامحـة مع البربر كـان عقبـة حـازمًا فـى تـعــامــله مـع الدولة البـيزنـطيــة التــي حــاولت أن تحتفظ بـالشمـال الإفـريـقــي بـعد أن فـقدت مـصر والشــام، لكـنهــا لم تـنجح، فقد حـقق أبـو المـهــاجـر نـصرًا عـسكريـا عـليهـا، مكَّنه من السير إلى الغـرب، فــاتـحًا مـعظـم المغرب الأوسط - الجزائر الحـاليـة - ووصـل إلى تـلمسـان. أعـاد الخـليفـة يزيدُ بن معـاويـة عقبةَ بن نافع مـرة أخـرى إلى شـمـــالي إفـريـقيـــا، فـواصـــل جـهود أبـــى المهـاجر، وقـام بحمـلته التـي اخترق بهـا السـاحـل كله فى شجاعة وجـرأة حـتــى بــلغ شــاطـئ المـحيـط الأطــلســي، و أوطـأ أقدام فـرسـه فــي مـيــاهـه، وقـال قولته المشهورة : اللهم اشهد أنـى قد بــلغـت المـجهود، ولولا هذا البحر لمضيت فـى البـلاد، أقـاتـل من كفر بـك حـتــى لا يـعبـد أحـدًا دونـك. وفــى أثـنــاء عـودة عقبـة من غـزوتـه المـظفـرة تـعرض لكـميـن نـصبـه له البـيزنـطيـون بـمســاعـدة كـسيــلة زعـيم البـربـر، الذى كــان عقبـة قد أهـانه، فبينمـا هـو يـسيـر فــي عـدد قــليـل من جنوده يبـلغ زهـاء ثـلاثمـائـة جندي انـقضـت القـوات البـيزنـطيــة عــليـه وعــلى مـن معه عند بـلدة تهودة فــاسـتشـهدوا جـميعًا سنـة 63هـ. وممـا أسهم فـى وقوع الكـارثـة أن عـقبــة قـد وقـع فــي خـطــأ عـسكـري كـبيـر، إذ سرَّح معظم جـيشـه، وأمـرهـم بـالسير أمـامه، فـابتعد عنه لمسـافـة طويـلة، ممـا جـعــل الجـيش البـيزنطـي ينفرد به ويهزمه هزيمـة ثقيـلة أضـاعت كـل الجـهود التـــي بـذلهــا المـســلمـون فــي فـتح تــلك البــلاد، واضـطر المـســـلمـون إلى الارتـداد إلى الخـــلف، ولم يـستـطيـعوا الاحـتفـــاظ بــالقـيروان، وعــادوا إلى بـرقــة. تـسـلَّم زهير بن قيس البـلوى قـيــادة الجـيش خـلفًا لعقبـة بن نـافع سنـة 63هـ، وعزم عـلى الثـأر مـن البـيزنـطيـين والبـربـر، لكنه لم يستطع أن يحقق هدفه إلا فـى سـنـــة 69هــ، نـظرًا لانـشغـــال الدولة الأمـويـــة بــالأحـداث والفـتن الخطيرة التـى حدثت فـى الداخـل بعد وفـاة يزيد بن معـاويـة سنـة 64هــ. تـحرّك زهـير بـجيـش كـبيـر وزحـف عـلى القيروان سنـة 69هــ، والتـقـى عـلى مقربـة منهـا بجيش كسيـلة، فهزم البربر هـزيمـة سـاحقـة بعد معركـة شديدة ، وفـى أثنـاء عودته إلى برقـة للدفــاع عـنهـا - بعد مـا نمـى إلى عـلمه أن البيزنطيين زحفوا عـليهـا فــى جـموع عـظيـمــة - تعرض لهجوم بيزنطـي مفـاجئ، فـلقـي حتفه هـو ومـن مـعه. وصـــلت أخـبــار اسـتشـهــاد زهـير ومـن مـعه إلى الخــليـفــة عبد المــلك بـن مروان وهو مشغول بصراعه مع الخوارج والشـيعــة وآل الزبـير، فـلم يتمكن من القيـام بعمـل حـاسم إلا بعد أن اسـتقـرت له الأوضــاع، فــأسند قيـادة جبهـة الشمـال الإفريقـي إلى حـســان بـن النـعمــان وأمده بجيش كبير من مصر والشـام، بـلغ عـدده نـحو أربـعيـن ألف جـندي. واستطـاع حسـان بعد جهد جهيد القـضــاء عـلى الوجود البيزنطـي فـى الشمـال الإفريقـي، وأن يحطم مـديـنــة قرطـاجنـة أكبر مركز بيزنطـي، وأن يبنـى محـلهـا مدينـة تـونـس الحــاليــة، كـمــا قضـى عـلى كـل مقـاومـة للبربر، بعد أن حـقق نـصرًا هـائـلا عـلى زعيمتهم الكـاهنـة التـي آلت إليهـا الزعـامـة بـعد مـقتـل كسيـلة، و نعم المسـلمون بـأولى فترات الاستقرار فـى المـغرب ولم يـكن حـســان بـن النـعمـان قـائدًا عسكريـا عظيمًا فـحسـب، بـــل كـــان رجـــل دولة وتـنظـيم وإدارة أيـضًا، فــأنـشــأ الدواويــن، ورتَّب أمـور الخـراج والجـزيـــة، ووطَّد ســـلطـــان الحـكم الجـديـد فــي الثـغور و النـواحــي، وجـدد مدينـة القيروان، وأنشـأ بـهــا المـسجـد الجــامـع، ووضـع سيـاسـات مستقبـليـة انتهت بـأهـل الشـمــال الإفـريـقــي كــله إلى اعـتنــاق الإســلام

حـلّ موسـى بن نـصيـر سـنـة 85هـ محـل حسـان بن النعمـان فـى ولايـة شمـالي إفـريـقيــا وقـيــادة جيوش الفتح بهـا، فـأكمـل مـا بدأه سـابقوه من القــادة العـظــام، وقـدِّر له أن يـجنــى ثمـار غرسهم، ففـى ولايته تم فـتح المـغرب كــله، وأقـبــل أبـنــاؤه عـلى اعتنـاق الإسـلام فـى حـريــة تــامــة، بـعدمــا أدركـوا وفـهمـوا مـا يحمـله من عزة وكرامـة وحرية وعدل ومساواة