قيام الخلافة الأموية وتطورها

20-06-2012 09:50 AM - عدد القراءات : 1716

قامت الخلافة الأموية رسميا في شهر ربيع الأول من سنة 41هـ، بعد أن تنازل الحسن بن علي بن أبى طالب -رضى الله عنه -عن الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان -رضى الله عنه- وبايعه هو وأخوه الحسين، وتبعهما الناس في الكوفة، وأصبح بذلك معاوية خليفة للمسلمين وحده، ولُقِّب بأمير المؤمنين
قيام الخلافة الأموية وتطورها
fiogf49gjkf0d
وكان قبل ذلك يلقَّب بالأمير فقط. واستبشر المسلمون خيرًا بهذا التطور، وحمدوا الله - تعالي - علي انتهاء الفتن والحروب، وسمُّوا ذلك العام عام الجماعة؛ حيث عادت إلي الأمة الإسلامية وحدتها، واجتمع شملها علي خليفة واحد، بعد الفرقة والنزاع، ولقي ما فعله الحسن بن علي كل تقدير وإجلال من جمهور المسلمين، وأثنى عليه كثير من العلماء، ورأوا فيما أقدم عليه تحقيقًا لنبوءة جده محمد حين قال: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين - صحيح البخاري

تطور نظام الخلافة في العصر الأموي

عرفنا فيما سبق كيف قامت الخلافة الإسلامية عقب وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم وكيف كان يتم اختيار الخليفة في دولة الراشدين بالبيعة المباشرة من المسلمين لخليفتهم، بعد أن يرشحه عدد من الصحابة، كما حدث في خلافة الصديق، حيث بايعه عدد من الصحابة في سقيفة بنى ساعدة بيعة خاصة، كانت بمثابة ترشيح له لمنصب الخلافة، ثم جاءت البيعة العامة له في مسجد الرسول صلي الله عليه وسلم - بعد مواراة جسده الطاهر تحت الثرى لتزكى ذلك الترشيح وتوافق عليه، ومن ثم أصبح أبوبكر الصديق أول خليفة لرسول الله صلي الله عليه وسلم في حكم الدولة الإسلامية، باختيار حُر من المسلمين. وعندما مرض أبوبكر -رضى الله عنه - مرض الموت قال للمسلمين: إنه قد نزل بي ما ترون - يعنى المرض الشديد - ولا أظنني إلا ميِّتًا لما بي من المرض، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحلَّ عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة منِّى كان أجدر ألا تختلفوا بعدى. وتصرُّف أبى بكر الصديق دليل ساطع وبرهان قوى علي أن اختيار الحاكم من حق الأمة وحدها، لكن الصحابة فوضوه في اختيار خلف له، وألحُّوا عليه في ذلك، فقبل تكليفهم، ووقع اختياره علي عمر بن الخطاب -رضى الله عنه - لكفاءته وقدرته وسابقته في الإسلام، ولم يكتفِ الصديق باختياره هو لعمر بن الخطاب، بل استطلع آراء كبار الصحابة حول مرشحه، مع أنه مفوض من الصحابة في اختيار خليفة لهم، ويعلم بأن عمر هو أفضل الصحابة بعده، و أصلحهم لتولي الخلافة، لكنه آثر ألا ينفرد وحده باختيار خليفة له. ولما اطمأنت نفسه إلي أن الغالبية ممن شاورهم تؤيد اختيار عمر، جمع الناس حوله، وحدَّثهم قائلا: أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا ولَّيت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا

ولم تنعقد بيعة عمر ليصبح خليفة إلا بعد وفاة أبى بكر، وبمبايعة الناس له بيعة عامة، ولو لم يرضَ الناس بترشيح أبى بكر، ورفضوا مبايعة عمر، ما كان لعهد أبى بكر الصديق عليهم حجة أو سلطان

وجاء اختيار عثمان بن عفان - رضى الله عنه - ببيعة عامة حرَّة من بين الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب -رضى الله عنه - ليختاروا واحدًا منهم، وقد حصرها فيهم؛ لأنهم بقية العشرة المبشرين بالجنة، والذين تُوفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ

ولما قُتل عثمان بن عفان شهيدًا، ألحَّ الصحابة علي علي بن أبى طالب أن يقبل الخلافة، بعد أن سادت الفوضى مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وامتنع كبار الصحابة عن قبول الخلافة، فقبل علي الخلافة؛ لينقذ الأمة من الفتن، وبايعه معظمهم، ولا جدال في أن قيام علي بالأمر في ذلك الوقت العصيب كان تضحية تنطوي علي شجاعة حيث تحمل المسئولية في أصعب الظروف وأدقها. وكان متوقعًا أن تنهي بيعته بالخلافة حالة الفوضى التي سادت البلاد بعد مقتل عثمان، لكن الأحداث تطورت سريعًا من سيئ إلي أسوأ، وانتهي به الحال أن قُتل شهيدًا، وقبل وفاته استشاره أصحابه في بيعة ابنه الحسن بعده، فقال لهم: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر، لكنهم بايعوا الحسن، الذي تنازل عن الخلافة لمعاوية كما ذكرنا

وخلاصة ما سبق أن طريقة اختيار الخليفة في عهد الراشدين كانت تتم ببيعة حرة وعامة بعد ترشيح شخص أو أكثر، وأن ترشيح الخليفة السابق لم يكن ملزمًا للأمة، بل لها أن توافق أو تعترض، وهذا هو نظام الشورى في الإسلام الذي يشبه في مصطلحات العصر الحديث النظام الديمقراطي. ولم يفكر أي واحد من الخلفاء الراشدين في أن يعهد بالأمر إلي أحد من أبنائه أو أقربائه، حرصًا منهم علي إبعاد فكرة الوراثة عن نظام الحكم الإسلامي إبعادًا تاما، وقد وضَّح أبوبكر الصديق هذا المعنى عندما رشَّح عمر في قوله: أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، كما استبعد عمر بن الخطاب ابنه عبد الله تمامًا من الترشيح، بل استبعد ابن عمه سعيد بن زيد أيضًا من الترشيح مع أهل الشورى؛ دفعًا لشبهة القرابة مع أن الشروط تنطبق عليه.ولم يُؤثَر عن عثمان شيء من ذلك، وترك علي بن أبى طالب الأمر للأمة لاختيار من ترضاه، ورفض ترشيح ابنه الحسن للخلافة أو الوصاية له بالبيعة

أسلوب اختيار الخليفة الأموي

لم يكن أحد يظن أن بيعة المسلمين لمعاوية بن أبى سفيان ستكون إيذانًا بتأسيس دولة أموية وراثية وكان المسلمون قد استبشروا خيرًا بهذه البيعة بعد فترة من الفتن والحروب، حتى إن بعض الصحابة الذين كانوا قد توقفوا في بيعة علي - رضى الله عنه - بايعوا معاوية، دعمًا لوحدة الأُمة ولمِّ شملها، مثل: سعد بن أبى وقاص عبد الله بن عمر. وربما توقَّع الناس أن معاوية سيحذو حذو من سبقه من الخلفاء الراشدين ويترك الأمر شورى للمسلمين، يختارون للخلافة من بعده من يرونه أهلا لتولي تبعات هذا المنصب الجليل، أو سيجتهد في اختيار شخص يراه أصلح الناس لتولي منصب الخلافة، ويكون بعيدًا عن قرابته كما فعل الخلفاء قبله، لكن معاوية فاجأ الأمة الإسلامية بترشيح ابنه يزيد للخلافة من بعده، وبدأ في أخذ البيعة له في حياته، بدعم من أهل الشام، ولما نجح في ذلك لم يكن صعبًا عليه أن ينتزع البيعة لابنه من بقية الأقطار الإسلامية، بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى. ولم يعارض معاوية في خطواته هذه سوى أهل الحجاز، الذين رأوا في عمله خروجًا علي ما ألفه المسلمون في اختيار خليفتهم ببيعة حرة قائمة علي الشورى، وتركزت المعارضة في ثلاثة من أبناء كبار الصحابة، هم الحسين بن علي بن أبى طالب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر. وقد تطورت معارضة الأولين إلي خروج الحسين علي يزيد بعد موت معاوية، واستشهاده في موقعة كربلاء المشهورة سنة 61هـ، وإلي دعوة عبد الله بن الزبير بالخلافة لنفسه بعد موت يزيد بن معاوية سنة 64ه، ثم دخوله في صراع مع الأمويين، انتهي بمقتله سنة 73ه، بعد أن دامت خلافته تسع سنوات، أمَّا عبد الله بن عمر، فقد بايع يزيد حفاظًا علي وحدة المسلمين، بعد أن رأي أن استمراره في معارضته لن يكون في مصلحة الأمة الإسلامية

وقد دافع عن عمل معاوية كثير من المؤرخين، و رأوا في صنيعه عملا ضروريا للحفاظ علي وحدة الأمة، واجتناب العودة إلي الحروب الأهلية، ويقف علي رأس هذا الفريق المؤرخ الكبير عبد الرحمن بن خلدون مؤيِّدًا إقدام معاوية علي هذه الخطوة بقوله: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم، باتفاق أهل الحل والعقد حينئذٍ من بنى أمية؛ إذ بنو أمية يومئذٍ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش -أي أكثرهم قوة- وأهل الحل أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولي بها، وعدل عن الفاضل إلي المفضول؛ حرصًا علي الاتفاق واجتماع الأهواء، الذي شأنه أهم عند الشارع، لا يظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عليه، دليلٌ علي انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجلُّ من ذلك وعدالتهم مانعة. ويدعم ابن خلدون رأيه هذا بأن ولاية العهد من الخليفة القائم إلي شخص يتولى الخلافة بعده أمر جائز لا حرج فيه، فيقول: قد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة علي جوازه وانعقاده، إذ وقع من أبى بكر - رضى الله عنه - لعمر بن الخطاب بمحضر من الصحابة، وأجازوه وأوجبوا علي أنفسهم به طاعة عمر رضى الله عنه وعنهم

وما قاله ابن خلدون يمكن الرد عليه بأن أبا بكر عهد إلي عمر؛ لأنه رآه أصلح الصحابة لتولي الخلافة بعده وتحمُّل تبعاتها،وقد كان كذلك بالفعل،ولم تكن تربطه به صلة قرابة قريبة، وقد أوضح ذلك بقوله: أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا ولَّيت ذا قرابة، كما أن عمر لم يصبح خليفة بترشيح أبى بكر الصديق واختياره له فحسب، بل برضى المسلمين وبيعتهم له ولو أن معاوية عهد إلي أحدٍ غير ابنه، واجتهد في اختيار من هم أصلح للخلافة بعده، ما اعترض عليه أحد، ولحقَّق الغرض الذي قصده ابن خلدون من ولاية العهد، وهو سد أبواب الخلاف بين المسلمين، ومن ثم فإن الاعتراضات علي تصرف معاوية جاءت من اختياره ابنه لولاية العهد دون سواه، لا من فكرة ولاية العهد نفسها. وأياً ما كان الأمر فإن الخلافة حُصِرت في الأسرة الأموية، يتوارثها الأبناء والاخوة، ولم يكتفِ الخليفة منهم بتولية العهد لواحد فقط، بل درجوا علي تولية أكثر من ولي للعهد، وكان مروان بن الحكم مؤسس الفرع المروإني أول من بدأ هذا التقليد، فقد عهد إلي ابنه عبد الملك ثم عبد العزيز بولاية العهد، وقد تابعه في هذا كل من جاء بعده حتى آخر دولتهم، وقد جرَّ هذا الأمر عليهم المتاعب، وأوقد نار الفتنة والصراع بين أبناء الأسرة الأموية، مما كان له أكبر الأثر في تدهور الدولة والإسراع بسقوطها في نهاية الأمر وعلي الرغم من استقرار الخلافة بنظام التوريث فإن الأمويين حافظوا علي نظام البيعة من حيث الشكل فكان الخليفة القائم يعهد من بعده بولاية الأمر إلي ابنه أو أخيه، ثم تؤخذ البيعة من الناس لمن صدر له كتاب العهد في حياة الخليفة القائم، ثم تجدد له بعد وفاته، ومغزى هذا أنهم كانوا علي يقين أن مجرد العهد ليس ملزمًا شرعًا للناس، بل لابد من البيعة العامة

الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي

شهد العصر الأموي أوسع حركات الفتح الإسلامي وأكثرها نشاطًا في التاريخ الإسلامي كله بعد فتوحات الخلفاء الراشدين، التي شملت العراق وبلاد فارس كلها، ومصر والشام، ثم توقفت الفتوحات الإسلامية، أو كادت تتوقف بسبب الفتن والحروب الأهلية التي حدثت بين المسلمين

وقد استأنف المسلمون فتوحاتهم بعد اجتماع شملهم علي معاوية بن أبى سفيان وتوحدهم تحت رايته في عام الجماعة سنة 41ه، وحقق الأمويون أعظم إنجازاتهم علي الإطلاق في ذلك الميدان العظيم، وامتدت فتوحاتهم إلي مناطق عديدة في قارات العالم القديم آسيا - إفريقيا - أوربا ففتحوا في عهد الوليد بن عبد الملك بلاد ما وراء النهر آسيا الوسطى وإقليم السند في شبه القارة الهندية، واستكملوا فتح الشمال الإفريقي كله من حدود مصر الغربية إلي المحيط الأطلسي، ثم عبروا مضيق جبل طارق إلي القارة الأوربية، ليفتحوا الأندلس، وجنوبي فرنسا، كما استولوا علي معظم الجزر في شرقي البحر المتوسط وشرقيه وجنوبيه، ثم واصلوا ضغطهم علي مدينة القسطنطينية، عاصمة الدولة البيزنطية، وحاصروها أكثر من مرَّة

التيارات والأحزاب السياسية والدينية

شغلت الدولة الأموية في التاريخ الإسلامي إحدى وتسعين سنة 41 - 132ه، وامتدت حدودها من حدود الصين شرقًا إلي الأندلس غربًا، ومن بحر قزوين شمالا إلي المحيط الهندي جنوبًا، وعمل خلفاؤها في جد ومثابرة وحسن سياسة علي نشر الإسلام في تلك الرقعة الكبيرة، ونمت الحضارة الإسلامية ونهضت في عهدهم. وهذه الأعمال تشهد للأمويين بدورهم البارز في التاريخ الإسلامي، وتخفف كثيرًا من النقد الذي وجه إليهم، ومما يزيد المرء إعجابًا وتقديرًا لإنجازهم أنهم قاموا بتلك الأعمال الجليلة، وهم يصارعون أعداء أشداء من تيارات وأحزاب سياسية ودينية، لم يتركوا فرصة للثورة عليهم إلا انتهزوها. من تلك الأحزاب من تذرَّع بالدين يحارب به، ويتَّهم بنى أمية بالخروج علي الدين وقواعده، وأنهم مغتصبون للسلطة، كالخوارج والشيعة. وهناك شخصيات أعلنت التمرد والثورة علي بنى أمية لأهداف شخصية، ولتحقيق طموحات ذاتية، والوصول إلي الحكم بأي ثمن، مثل المختار بن أبى عبيد الثقفي، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ويزيد بن المهلب

الخوارج

كان الخوارج من أنصار علي بن أبى طالب، وشهدوا معه معركتي الجمل وصفين، ثم انشقوا عليه لما قبل التحكيم بينه وبين معاوية، فسمَوا الخوارج، لخروجهم علي إمامهم، ولما بالغوا وتطرَّفوا في عدائهم له، وعاثوا في الأرض فسادًا، اضطر إلي مقاتلتهم في معركة النهروان، ثم عادوا بنى أمية ودخلوا في صراع طويل معهم. وكانوا في مبدأ أمرهم فرقة واحدة، يدور خلافهم مع بقية الأمة حول الخلافة ومَن أحق بها، ومجمل أمرهم أن الخلافة حق لمن يصلح لها من المسلمين، وتتوافر فيه شروطها من العلم والأمانة والشجاعة، وليس من الضروري أن يكون عربيا فضلا عن أن يكون قرشيا. ولو أنهم حصروا خلافهم مع غيرهم في جدل وحوار نظري يقوم علي مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل لما كان في الأمر شيء ولكن الخطر كل الخطر جاء من لجوئهم إلي العنف واستخدام السيف في فرض آرائهم، وقد بدأ مع علي بن أبى طالب مما جعل خصومهم يواجهون القوة بالقوة، وتكبَّدت الأمة الإسلامية عشرات الآلاف من الضحايا من أبنائها نتيجة هذه الخصومة العنيفة. وظل الخوارج فرقة واحدة، تتبنَّى أفكارًا ومبادئ واحدة حتى وفاة يزيد بن معاوية سنة 64ه، ثم بدأ الشقاق والخلاف يدب بينهم هم أنفسهم، فانقسموا فرقًا وأحزابًا، حتى وصل عددهم إلي ثلاثين فرقة، ثم تطور تفكيرهم بمرور الزمن، وبدءوا يخوضون في قضايا تدخل في صلب الدين، مثل مباحثهم في مرتكب الكبيرة هل مؤمن أو كافر، وغير ذلك من القضايا، وأشهر فرق الخوارج التي ناصبت الدولة الأموية العداء وشنت عليها الحرب، هي

الأزارقة

هم أتباع نافع بن الأزرق، أحد زعماء الخوارج الكبار، وهي تعد أشد فرق الخوارج تطرفًا في أفكارها السياسية والدينية، فهي ترى الخروج علي الخليفة الذي يخالفها في آرائها وقتاله، وأتباعها يتبرءون ممن لا يوافقهم علي ذلك، ويَعدُّونهم من القاعدين، ويكفرون مرتكب الذنوب الكبيرة ويحكمون بخلوده في النار، مخالفين في ذلك صريح القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالي: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء: من 48. ويبيحون دماء مخالفيهم في الرأي

النجدات

وينسبون إلي نجدة بن عامر، وهم أقل تطرفًا من الأزارقة؛ لأنهم لا يقولون بكفر مرتكب الكبائر

البيهسية

وينسبون إلي زعيمهم بيهس، وهم أقل تطرفًا من الأزارقة، و يرون أن مخالفيهم في الرأي منافقون، تجرى عليهم أحكام المنافقين، لكنهم يجيزون حوارهم، والتزاوج معهم، وميراثهم

الصفرية

أتباع زياد بن الأصفر، وهم كذلك أقل تطرفًا من الأزارقة، ومعتدلون في أفكارهم

الشيعة

تعنى كلمة الشيعة: الأهل والأتباع والأنصار، كما في قوله - تعالي، في معرض حديثه عن موسى، عليه السلام -: فاستغاثه الذي من شيعته علي الذي من عدوه . القصص: من 15

و كل قوم اجتمعوا علي أمر فهم شيعة، بعضهم لبعض، غير أن هذه الكلمة أصبحت علمًا علي أنصار علي بن أبى طالب -رضى الله عنه - وذريته من بعده، فإذا قيل: إن فلانًا من الشيعة، عُرف أنه منهم، أو قيل: في مذهب الشيعة كذا، أي: عندهم

وقد نشأ التشيع بسيطًا في أول الأمر ثم تطور بمضي الزمن، وأصبح مذهبًا دينيا وسياسيا، كما كان أتباعه فرقة واحدة، شأنهم في ذلك شأن الخوارج، ثم لم يلبثوا أن تفرعوا إلي فرق، مثل الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية والإسماعيلية. ويخالف رأي الشيعة في الخلافة جمهور الأمة الإسلامية التي ترى أن الخلافة أمر من الأمور العامة، يفوض للأمة أمر البت في شأنها، وتختار من تراه الأصلح لدينها ودنياها لتولي منصب الخلافة. أمَّا هم فيرون أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلي الأمة، بل هي ركن من أركان الإسلام، لا يجوز للنبي صلي الله عليه وسلم إغفاله، ولا تفويض الأمة فيه، بل يجب عليه تعيين الإمام للأمة بعده، وأن الإمام لابد أن يكون معصومًا من الكبائر والصغائر، ويزعمون أن النبي صلي الله عليه وسلم فعل ذلك، وعيَّن علي بن أبى طالب، وقد تعددت ثوراتهم المسلحة ضد الدولة الأموية طلبًا للخلافة

انتشار الإسلام في العصر الأموي

امتدت الفتوحات الإسلامية من حدود الصين إلي الأندلس، ومن بحر قزوين إلي المحيط الهندي، وأدخلت في الدولة الإسلامية شعوبًا كثيرة، مختلفة في الديانات والمذاهب واللغات والأجناس والثقافات والعادات والتقاليد، ولم تكن تلك الفتوحات غزوا عسكريا مستغلا للشعوب ناهبًا لثرواتها، وإنما كان فتحًا دينيا وثقافيا ولغويا، فانتشر الإسلام في البلاد المفتوحة بخطى حثيثة، وتغيرت أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية

ويمكن القول: إن هذا العالم الفسيح أصبح عالمًا إسلاميا واحدًا، فسيادة المسلمين عليه لا تنازع، والإسلام هو الدين الغالب في سماحة ورحمة، والحاكم في عدل، ولم تأخذ المسلمين نشوة النصر والغلبة، التي قد تحملهم علي الكبر والتعالي وإذلال الشعوب المغلوبة، بل عاملوهم معاملة كريمة، وصانوا أرواحهم وأموالهم وعقائدهم، وحفظوا عهودهم ومواثيقهم معهم، ووفوا بها في صدق وإخلاص، وأشركوا أبناءهم في حكم بلادهم وإدارتها