إشكالية التحول الديمقراطي في الدول العربية

17-02-2012 03:37 PM - عدد القراءات : 26371

لو نظرنا إلى عالمنا العربي اليوم وقمنا بعقد المقارنة السابقة على مدى التزام النخب الحاكمة بتلك المبادئ الأربعة للديمقراطية التى سبق الحديث عتها لوجدنا أن هناك تبايناً كبيراً بين البلدان العربية في الممارسة والتطبيق من ناحية ناهيك عن أن بعض البلدان لم تأخذ بتلك الممارسات من حيث الشكل إلا مؤخراً وذلك نتيجة متغيرات كثيرة أهمها الضغوط الدولية ومتطلبات النظام الدولي الجديد الذي يحكم بناء على متطلبات الديمقراطية ومدى توافرها وإن كان ذلك المطلب من الناحية الشكلية فقط.

fiogf49gjkf0d
فالمراجعة الموضوعية للواقع العربي تُظهر أن الكثير من البلدان لا زالت بعيدة كل البعد عن الممارسة الديمقراطية حتى على صعيد عقد الانتخابات كإجراء حيوي وضروري بالشروط المطلوبة وإن تمت فهي دون المستوى المطلوب وكثيراً ما تُوجه لها الاتهامات من قبل جهات الرقابة الدولية والمحلية على السواء بالاتهام الذي يشمل عمليات التزييف وعدم النزاهة.

وبالنظر إلى الواقع العربي فيما يتعلق ببقية الممارسات ذات العلاقة بمفاهيم الشفافية وسيادة القانون والمشاركة الشعبية؛ فإن البلدان العربية لا زالت بعيدة كل البعد عن هذه الممارسات مقارنةً بالمعايير الديمقراطية المقبولة؛ فلا زالت مجمل البلدان العربية لا تسمح بأبسط ممارسات حرية التعبير، النشر والإعلام، الإطلاع على محاضر جلسات ممثليهم المُنتَخبين، حرية العمل الحزبي والمشاركة القاعدية للجماهير، بالإضافة إلى حق الاعتراض على القوانين من خلال آليات واضحة المعالم ومعترف بها من شأنها تحقيق نتائج حقيقية على الأرض لصالح المواطنين.

1- فمنذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن , وشعبنا يعاني من القمع والتعسف , وانتهاك حقوق الانسان وافتقاد حقوق المواطنة بصورة لا حدود لها , عبر تغييب الحريات العامة المدنية والسياسية , وطغيان قانون الطوارئ كسيفٍ مسلط على رقاب المواطنين , إضافةً لاحتجاز السياسة عن المجتمع , وإقصاء فاعلياته الرئيسة عن المساهمة الفاعلة في تحديد التوجهات العامة في مختلف الميادين , وفي تطوير العلاقات الاجتماعية لمجتمع يعاني من واقع التأخر التاريخي والتخلف الحضاري , إضافة لانتشار الفساد والإفساد الذي طاول كافة مؤسسات الدولة , والإصرار على التحكم السلطوي الفئوي بمقدرات المجتمع ومصيره , ومحاصرة طموحاته الوطنية في بناء دولة مدنية حديثة تواكب التقدم الإنساني , وما فيه من تحولات عالمية عميقة ومتسارعة في السياسة , والاقتصاد , والاجتماع , والتقدم العلمي والتقني والثقافي .

 لقد حاصرت الدولة الأمنية القطرية , وما تزال , الطموحات الشعبية والوطنية لبناء مقومات التحديث والحداثة في العديد من الأقطار العربية , ومارست عملية القمع اتجاه كافة أشكال الحراك الثقافي والسياسي المدني , وامتنعت عن السماح لمنظمات وهيئات المجتمع المدني , وفي مقدمتها منظمات وجمعيات حقوق الانسان , في ان تتشكل بصورة طبيعية وقانونية , بالرغم من توافر كافة الشروط المنصوص عنها في القانون والدستور , وأحكمت القبضة الأمنية المتشددة على تكويناتها الأولى , وما تزال تمارس سياسة الإقصاء إزاء التشكيلات الثقافية والحقوقية , او محاولة الاحتواء للهيمنة عليها , وحرفها عن الأهداف النبيلة التي أنشئت وقامت من أجلها , وذلك عبر ممارسات القمع والاعتقال , ومنعها من ممارسة نشاطها المحدود والمتواضع أصلاً , في مجتمع يشكو من أسباب التخلف كحالة عامة وقائمة  ونتائجه التي تنعكس سلباً في الواقع الموضوعي .

2. وفي إطار التنمية البشرية , في مجال التعليم والتربية , وتوفير المناخ اللازم والشروط الموضوعية للإبداع والابتكار , وفي مجال التقدم العلمي والتقني , وممارسة النشاط الثقافي في مناحيه المتعددة , يتجلى بصورة واضحة القصور الكبير عن مواكبة العصر الحديث , وتطوراته المتسارعة , نتيجة للانتهاكات الواضحة لحقوق أبناء المجتمع في إيجاد الفرص المتكافئة في مجالات التعليم المتعددة , ومحاصرة الإبداعات الثقافية , والنشاط السياسي وعمل الجمعيات التي تعنى بالفضاء المعرفي والفني والأدبي , وحصر ممارسة النشاط القائم فيها على فئة معينة ارتضت الانضواء تحت بطانة السلطة , مما يشوه المقاصد التنموية البشرية الحقيقية لإمكانات وطاقات أبناء المجتمع بصورة عامة

3. وفي الاقتصاد والتنمية الاقتصادية , تتجلى الصورة بأوضح أبعادها في افتقاد الانتاج الاقتصادي , على نحوٍ ما , لبنياته وآلياته الحديثة , وتفاقم الأزمة الاقتصادية في سورية "نموذجاً " نتيجة للنهب المنظم لموارد الثروة الوطنية وطغيان الفساد الإداري والمالي في المؤسسات التي تسيطر عليها السلطة القائمة , من جانب , والضعف الكبير للضمانات القانونية اللازمة لاستثمارات القطاع الخاص , وعدم اهتمام هذا القطاع بإنشاء المشاريع الاقتصادية / الإنتاجية , وانتشار ظاهرة التهرب من دفع الضرائب من جانب آخر , إضافة لطغيان قيم النزعة الاستهلاكية في مجتمع يعاني من محدودية الانتاج الزراعي والصناعي . وينعكس هذا بصورة مأساوية واضحة على حقوق الانسان في مجال العمل والاستثمار , حيث تنتشر البطالة بنسبة عالية تصل إلى أكثر من 25% من القوى العاملة في كلٍَ من مصر والسودان وسورية وفلسطين والعراق , مما أدى إلى انتشار الفقر المدقع والأوضاع المعيشية البائسة , وعدم قدرة المواطنين على تلبية احتياجات أبنائهم وأسرهم المادية في أبسط مستوياتها , وسط أوضاعٍ اقتصادية متردية تنذر بمخاطر كبيرة في حال استمرار هذا التدهور الواضح .

4. ومن قبيل التحديد الواضح بشأن جمعيات ومنظمات حقوق الانسان في الوطن العربي بشكلٍ عام , وفي سورية بوجهٍ خاص , تمتنع السلطات إلى الآن عن منح الترخيص والإشهار القانوني لمعظم هذه الهيئات وفقاً لقانون الجمعيات المنصوص عليه لدى الجهات المختصة , وقد لجأت السلطات السورية في الأشهر الماضية إلى إغلاق كافة المنتديات في المحافظات , وفي مقدمها منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي , ضاربة عرض الحائط بحقوق المثقفين والمهتمين بالشأن العام من الناشطين السوريين في ممارسة حقهم في التعبير عن آراءهم بمناخٍ من الحرية التي يطمح الشعب إلى تحقيقها , كما قامت باعتقال عدد كبير من هؤلاء الناشطين , وفي مقدمهم الأستاذ المحامي محمد رعدون رئيس مجلس إدارة المنظمة العربية لحقوق الانسان في سورية ,الذي أفرج عنه أخيراً فيما لا يزال ناشطي ربيع دمشق قيد الاعتقال .

5. وتجدر الإشارة ,هنا , إلى مسألة هامة تتلخص في أن كافة المنظمات والتنظيمات الخاصة بحقوق الانسان وشؤون المجتمع المدني , والتي تعمل في إطارٍ مستقل عن دائرة الأنظمة وتأثيرها , تعتمد في تمويلها الذاتي على اشتراكات أعضائها التي لا يمكن لها تغطية احتياجاتها المادية للقيام بكافة نشاطاتها التي نذرت نفسها لها , وتفتقد , إلى الآن , لأي دعمٍ مادي أو معنوي من الجهات الرسمية , أللهم إلاَ محاصرة نشاطاتها وتقييد حرياتها , ولا بد والحالة هذه , من البحث في كيفية إيجاد حلول موضوعية على المستوى العربي للهيئات والمنظمات بما يكفل ديمومتها واستقرارها . وقد أشارت تقارير التنمية العربية في السنوات  الثلاثة السابقة , والصادرة عن هيئة الأمم المتحدة , والتي جاءت نتيجة للجهود البارزة لعددٍ من المثقفين العرب , لطبيعة المشكلات التي تواجه قضية التنمية والحريات العامة في الوطن العربي , وأبرزت ذلك الجانب بصورة واضحة .

6. ولا يمكن هنا , عبر هذه الإشارة المكثفة لعدد من الإشكاليات القائمة  في الوضعية العربية الراهنة , إغفال واقع المرأة العربية , والوضع المأساوي الذي تعاني منه , والناجم تاريخياً عن العادات والتقاليد البالية , واستمرار هذا التشويه الكبير لدورها الإنساني في المجتمع العربي , و عدم تمكينها من الاهتمام بالشأن العام سياسياً واجتماعياً وثقافياً  , وإغفال دورها في المساهمة الفاعلة في إعادة  التأسيس لنهضة عربية معاصرة . ولا ريب أن الوضع الراهن للمرأة العربية يعتبر بحدَ ذاته اختراقاً واضحاً لمنظومة حقوق الانسان في مستوياتها المتعددة .

7. وعلى السفح الآخر , يشكل الصراع العربي / الصهيوني , وتداعياته المستمرة على امتداد نصف القرن الماضي وبدايات هذا القرن مصدر تهديد دائم للاستقرار في المنطقة , وتقوم إسرائيل بصورة مستمرة بممارسة الانتهاك الفاضح لحقوق الانسان , عبر اعتداءاتها المتكررة على الشعب العربي الفلسطيني , واستمرار احتلالها للضفة الغربية والقدس عاصمة فلسطين  وهضبة الجولان السورية  ومصادرة حق المواطنين  العرب السوريين في التحرر والحرية وممارسة حقوقهم الإنسانية , وزج العديد منهم في سجونها ومعتقلاتها  , ومحاصرة جهودهم الرامية إلى تطوير التنمية الاقتصادية والبشرية في وطنهم , ومن شأن هذا الصراع  والاحتلال للأرض العربية أن يهدد الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة  و يحاصر دوماً إمكانات المجتمع العربي من إجراء التحولات الديمقراطية , وفقاً لبرنامج واضح ومحدد .

8 – أما بالنسبة لمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الموسع الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية و وافقت عليه الدول الصناعية الثمانية في حزيران عام 2004 , نلاحظ أنه ما يزال إلى الآن  يتعرض لنقد كبير من جانب القوى الوطنية الديمقراطية وهيئات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان على امتداد الوطن العربي ,وخاصةً في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق وما حدث ويحدث الان للشعب العراقي من مآسٍ وكوارث إنسانية. ومن شأن هذا النقد ان يأخذ موقعه الصحيح ليكون منطلقاً في اتجاه  إعادة البحث فيه بصورة موضوعية وبعيداً  عن تفرد الإدارة الأمريكية في طرح المشاريع التي تتجاوز فيها الإرادة الشعبية والوطنية للوطن العربي المعني مباشرة بهذا المشروع , ويمكن لنا في هذا البحث المكثف أن نشير إلى أهم الثغرات والأخطاء الواردة فيه :

- لقد تمت صياغة المشروع بعيداً عن مشاركة القوى والفاعليات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية العربية , مما أدى إلى أن  يحفل بالعديد من الأخطاء المنهجية وأهمها هذا الخطأ نفسه الذي يوضح مدى انتهاك هذه الإدارة بالحقوق الإنسانية والسياسية للمجتمع العربي في تقرير مصيره ومستقبله بنفسه .

- قد أغفل المشروع البحث في أبرز قضية تقلق الأمة العربية ’ وتهدد مستقبلها والاستقرار السياسي في أقطارها , ونعني بها القضية الفلسطينية وسبل  حل الصرع العربي / الإسرائيلي بطريقة عادلة وشاملة , تضمن الحقوق الوطنية والإنسانية الثابتة للشعب الفلسطيني . وقد تنبهت مجموعة الدول الأوربية لهذه المسألة الهامة وطرحت ضرورة إدراجها بالمشروع المقترح

- وفي الجانب الاقتصادي والإنتاجي  طرح المشروع اقتراحا بدعم المشروعات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة للتنمية الاقتصادية ومعالجة قضية البطالة في الوطن العربي , ومن الواضح تماماً  ان هذه المشاريع لاتبني تنمية حقيقية في منطقة متخلفة في مجال العلم والتقدم العلمي والتقني , في زمن عاصف بالتقدم في مختلف الميادين وفي ظل العولمة الرأسمالية الراهنة , ولا بد والحالة هذه من التأكيد على إقامة المشاريع الاقتصادية والإنتاجية الكبرى في منطقة تتوافر فيها المقومات الاقتصادية من أموال وثروات وطنية لمثل هذه المشاريع التي يمكن لها وحدها ان تشكل القاعدة المادية المتينة لا لتطوير الاقتصاد في أقطارنا العربية , وحسب , وإنما في المساهمة الفاعلة في تحقيق التنمية البشرية والتقدم العلمي والتقني , ومعالجة مشكلة البطالة والفقر السائد في قطاعات واسعة من مجتمعنا , والمساهمة أيضاً وبصورة واضحة في تمكين المجتمع من مواجهة الفساد الاقتصادي والإداري والمالي , إضافةً لحل الأزمة الثقافية والعلمية القائمة وإنهاء مظاهر العطالة الاستبدادية وانتهاك حقوق الانسان

- لكل أمة من الأمم حقوقها الوطنية والقومية الثابتة التي تم التأكيد عليها  في القوانين والمواثيق الدولية , ومن أبرزها حق الاستقلال والسيادة الوطنية , وإعادة انتاج مشاريعها النهضوية والحضارية وفقأ لاحتياجاتها الداخلية وطموحاتها في بناء مستقبلها الوطني والقومي , بالتفاعل والتعاون الكامل مع الجوار الإقليمي وعلى مستوى العالم , دون أن يؤدي هذا الانتقاص من مقومات السيادة للمجتمع المعني , وقد اعتبر الكثير من المثقفين والسياسيين العرب ان مشروع الشرق الأوسط الموسع تم وضعه والموافقة عليه باعتباره البديل الأمريكي والأوربي للمشروع النهضوي العربي الذي تعمل كافة الأطياف السياسية والثقافية والاجتماعية العربية المناهضة للاستبداد والتخلف على إعادة إنتاجه كمشروع قومي ديمقراطي  وإنساني , ولذلك تنعدم الإشارة في المشروع الأمريكي لحق الأمة العربية في  بناء أواصر التعاون الوحدوي بين أقطارها كالسوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي والمشروعات المشتركة في الجانب الاقتصادي , والتعاون العلمي والتقني عربياً في مجال التنمية البشرية , او التعاون في مجال بناء الدولة المدنية الحديثة التي تحقق الديمقراطية وتحصن حقوق الانسان وكرامته من الانتهاك أو الاعتداء عليها

في ظل هكذا أوضاع عربية وإقليمية , يبدو أن مهام التحول الديمقراطي سوف تتخذ مدىً زمنياً معيناً تحدده مرحلة من التطور والتقدم تتسم بكونها عملية تاريخية تفترض مقدماتها الموضوعية , ومن أبرز هذه المقدمات  تطور الوعي العلمي والثقافي والسياسي بضرورة إشاعة المناخ الديمقراطي وتحوله إلى نسيجٍ متكامل لعلاقات الداخلية في  مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

ولقد حذت الدول العربية نحو عملية التحول الديمقراطي على صعيد النخب السياسية الحاكمة نتيجة عاملين أساسيين وهما: الحراك الاجتماعي المطالب بالتغيير، والضغوط الدولية المطالبة بذلك نتيجة رغبة القوى العظمى لإحداث التغيير على صعد الأنظمة السياسية العربية التقليدية التي تعتبرها عبئاً عليها وكياناتها أصبحت مهددة الأمر الذي لا تحتمله تلك القوى العظمى في حالة حدوث تغيير قد لا تُحمد عقباه.

ورغم ذلك فإننا نرى بأنه هناك ضرورة قصوى للتحول نحو الديمقراطية مهما كانت الظروف والعقبات كون أن العملية تمهد للاستقرار السياسي والاجتماعي وبالتالي الأمني رغم ما قد يعتري العملية من صعوبات ومخاطر نتيجة عدم الوعي الكامل بلوازم العملية والتأثيرات التي قد تصاحبها بسبب ضعف القابلية للشعوب العربية لتحمل تبعات العملية وعدم تعودها على تلك الممارسة كثقافة حقيقة.