الأحد,4 مارس 2012 - 01:15 ص
: 1799
كتب كفاح محمود كريم
kmkinfo@gmail.com

كوردستان والملا مصطفى البارزاني البارزاني مصطفى لم يكن قائد ثورة فحسب بل كان تاريخا من الحكمة والفلسفة والزهد ومنظومة من السلوك والتربية والأخلاق.



edf40wrjww2News:news_body
fiogf49gjkf0d
      تمر في هذا الشهر ( آذار ) العديد من المناسبات التاريخية في حياة شعب كوردستان العراق، حيث يختلط فيها الحزن والفرح بين تاريخ خالد يشيع الأمل والفرح وتاريخ حزين يتذكره الناس بألم، في منتصف هذا الشهر وقبل ما يزيد على قرن من الآن، ولد الزعيم التاريخي للكورد وكوردستان الملا مصطفى البارزاني عام 1903م، وفي الاول منه وقبل ثلاثة وثلاثين عاما أي في عام 1979م توفاه الله ليكون بحق رمزا تاريخيا كبيرا يمثل نهضة شعبه ووطنه.
   
     ليس من السهل ولوج حياة رجل اختزل تاريخ شعب عبر أكثر من ألفين وسبعمائة عام، لكنه ببساطة الحكماء أوحى لنا جميعا بأن الحياة رغم تعقيداتها أصغر من أن تعترض إرادة الإنسان وتحدياته الصادقة فشق طريقه عبر قساوة الطبيعة والحياة واتجه نحو الشمس، حاملا راية الحرية لشعب يمزقه ظلام التخلف والاضطهاد، فلم يكن الملا مصطفى البارزاني مجرد ثائر يقود شعبه للأنعتاق، بل كان خلاصة لحقب من الأزمان منذ كاوه الحداد وحتى انتفاضة آذار 1991م، حيث أختزل تاريخا ومارس سلوكا أصبح فيما بعد نهجا ومدرسة للتربية والأخلاق، وفلسفة في التعامل والتعاطي مع مستجدات وثوابت الحياة، من خلال إدراكه منذ  البداية لحقيقة شعبه ووطنه المشكل من التضاريس الحادة والمتناقضة بين تخوم حمرين وشنكال جنوبا وحدود آسيا الصغرى شمالا، فأندفع بكل ثقل التاريخ وأرثه باتجاه الشرق عله يجد ضالته بين أحضان مهاباد، فكانت خطوته الأولى باتجاه الشمس، هناك كان المخاض الأصعب والولادة الأعسر والقرار المستحيل، اجتمعت فيه كل وحوش الشرق المفترسة حاملة معها جوع العنصرية وفقر الشوفينية وانتهازية الرفاق الحمر آنذاك، متربصة تلك الولادة لتنقض على الوليد افتراسا وتمزيقاً.

     في قلب هذه التراجيديا كان البارزاني مصطفى قد أدرك استحالة ديمومة الوليد في طوفان من الهمجية والبربرية، فتداعت الأحداث واندفعت قطعان البهائم الهائجة لتفترس وتسحق فرسان الشمس، ولأنه أدرك كل ذلك فقد حمل الوليد بين أضلعه وأندفع مع ثلة من رجال الشمس في كل اتجاهات الأرض من حوله شاقاً طريقه المعروف في رحلته الأسطورية إلى وطن الرفاق الحمر، ليستقر هناك في استراحة الثوار وليمنح ذلك الوليد فرصة النمو والحياة، ولم تكن سنوات الرحيل إلى ( الاتحاد السوفييتي ) إلا مرحلة للتأمل والتهيؤ لحقبة خطيرة في تاريخ هذا الشعب الذي سيبتدا أولى خطواته نحو تحقيق ذاته في خضم عالم مليء بالتناقضات والأستقطابات في دنيا الحرب الباردة التي جاءت على أنقاض حربين قذرتين لتقاسم ( العبيد ) و ( الغنائم ) من إمبراطوريات ودول القبائل والعشائر. وكان أهم نتاجات تلك الحرب الباردة ما أطلق عليه في أدب شعوب الشرق بالثورات والانقلابات التي أنتجت أنظمة إما مصنعة بالكامل في دهاليز ودوائر المتصارعين الكبار أو تم احتوائها لاحقا من قبلهم.

       لقد أدرك البارزاني هذه الحقائق قبل عودته إلى بغداد عاصمة ( الجمهورية الخالدة ) التي عاد إليها بعد تغير الشكل وبقاء المضمون، وكان يعرف جيدا إن إقامته في الجمهورية الأولى ليست طويلة وإنه ذاهب إلى حليفه الأبدي وحضن وليده الذي خرج به قبل اثنتي عشر عاما، ويقينا كان البارزاني في تأملاته يرى كاوه الحداد في وجوه أولئك الذين يحتضنون جبال كوردستان باحثين عن طريق إلى شمس الحرية، وقد أدرك بحسه التاريخي وتحليلاته العميقة إن الخطوة الأولى ستكون حتما من قلب كوردستان وليس من بغداد، التي ما أن وصلها حتى اكتشف إنها واحدة من نتاجات الحرب الباردة التي أفرزتها حروب العبيد والغنائم وكان ( الوليد ) ضحية من ضحاياها، فكانت بعد فترة وجيزة ثورة الخريف ( 11 أيلول 1961 ) بعد أكثر من ( 2661 ) سنة من ثورة كاوه الأول التي أزاحت ظلام القهر والعبودية، لكي تتبعها عشرات الثورات والعديد من الأمارات والمشيخات،  لكنها لم تحدث خرقا تاريخيا وتحولا اجتماعيا كما أحدثته ثورة كاوه الثاني مصطفى البارزاني.

       كان البارزاني مصطفى رجلا ميدانيا ينتج الفلسفة ولا يؤلفها ويطلق عنان الثورة ولا ينظر لها، كان بحد ذاته نوعا من السلوك والتربية والتعامل الإنساني الذي يقترب في تفاصيله من زهد الزاهدين وصوفية الناسكين، عمل جنديا وقائدا في آن واحد دونما أن يُثقلَ على حركة وقانون الحرب، ويتحسس مشاعر العدو وأفراده ويفترض دائما أنهم ضحايا مجبرين ويوصي بجرحاهم وأسراهم حتى من كان منهم قاسيا في أدائه الواجب أثناء الحرب، وقد أقر الفصل بين الأنظمة والشعوب منذ البداية، وبشر الآخرين بأن مفتاح الحل هو الديمقراطية في تحقيق أهداف الشعب سواء ما كان منه في كوردستان أو في العراق ورفع شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، مؤكدا بشكل دائم بان العرب والكورد ضحايا الدكتاتوريات وأنه لا خلاص إلا باحترام حقوق الآخرين والاعتراف بهم.

      كان قائداً عنيدا ولكنه لم يوصد الأبواب في عناده أمام من كان يصارعهم حينما يرى مرونة في سلوكهم أو تغييراً في مواقفهم، فهو لم يصارع من أجل إسقاط نظام سياسي واحتلال مواقعه لأنه يحمل آلام وآمال أمة، وتاريخ وطن، وجغرافية أرض مقطعة الأوصال، لم تكن لديه أحقاد أو عقد شخصية تجاه نظام أو شخص ما بقدر تعلق الأمر بقضية شعبه، ولأجل ذلك كنا نراه مقاتلاَ صلبا وعنيدا وفي نفس الوقت حينما يتطلب الأمر الجلوس مع العدو كان كريما ورحيما بما لا يلغي العلاقات الإنسانية التي تدفع باتجاه تقنين الخسائر حتى لدى أعدائه، وبذلك أنتج مؤسسة قومية لا تقوم على أساس التنظير والأدلجة ووجهات النظر الفكرية وأرستقراطية الثقافة وصراع الطبقات بل تعتمد أسساً وثوابت عملية تتضمن الإخلاص للمصالح العليا للشعب والوطن وسلوكا أخلاقيا رفيعا ينحاز للأكثرية ويحترم الأقلية، وأنتج قاسما مشتركا يجمع كل المنظومات الفكرية حوله ذلك هو النضال من أجل الشعب ومستقبله دونما أن يلغي دور الفرد وخصوصيته على حساب المجموعة.  
 
     البارزاني مصطفى لم يكن قائد ثورة فحسب بل كان تاريخا من الحكمة والفلسفة والزهد ومنظومة من السلوك والتربية والأخلاق.
 
    كان بسيطا متواضعا نقيا ابيض القلب واليد، أبعد نفسه عن هالات وبروتوكولات ( الرئاسة ) وبيروقراطيتها ومظاهرها، ووضع حوله خيرة رجال الثورة وأكثرهم طهارة وإخلاصا في المال والإدارة، وبذلك اخترق أدق مشاعر وأحاسيس شعبه حتى حسبه الناس أبا وعما وأخا كبيرا.

    حقيقة لقد أقتنع الناس تماما بكل مشاربهم وشرائحهم وطبقاتهم واتجاهاتهم وأديانهم إنه خير من يمثلهم ويعبر عن آلامهم وآمالهم.

    واليوم بعد أن أصبح رمزاً ونهجاً وعنواناً لنهضتنا وحكاية شعبنا منذ كاوه الحداد وحتى يومنا هذا يحق لنا ان نسأل:

   هل ما زلنا ونحن في اول الطريق ننتهج ذات النهج والسلوك؟
   وهل يعرف الجيل الجديد ان الأسس الأولى ولبناتها في حياة اليوم إنما وضعها الملا مصطفى البارزاني ورفاقه؟

kmkinfo@gmail.com
 



اقرأ ايضآ

ليتة ما تكلم ليتة ما تكلم
بواسطة abdelghanyelhayes
الإثنين,28 يناير 2013 - 10:23 ص
إقرا المزيد
اليأس خيانة
بواسطة abdelghanyelhayes
الخميس,9 مايو 2013 - 06:39 م
إقرا المزيد
اسف لانك الرئيس
بواسطة abdelghanyelhayes
الإثنين,25 فبراير 2013 - 12:25 م
إقرا المزيد
وعاظ السلاطين الى أين؟
بواسطة kmkinfo
الثلاثاء,13 سبتمبر 2011 - 08:50 ص
إقرا المزيد
طفيليات الصحافة والاعلام!
بواسطة kmkinfo
السبت,3 سبتمبر 2011 - 03:44 ص
إقرا المزيد

التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع




الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77227


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50466


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 49001


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48580


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 45088


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43483


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 43155


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41875


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40872


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 38066


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى