الجمعة,22 فبراير 2013 - 10:00 ص
: 4597
كتب هشام عبد الفتاح الإديب
hishamaladeeb@yahoo.com

الله أكبر، لقد علقته على عمود النور الله أكبر، لقد علقته على عمود النور



edf40wrjww2News:news_body
fiogf49gjkf0d

عذبته؟ سَحَلته على الأسفلت؟ ِانسلخ جلد وجهه وأنا أجرّه على الطريق؟ شرّحت جسده بالسيوف والسكاكين؟ ثم قتلته؟ ثم صَلبته على عمود الإنارة؟ الناس فرِحين يصرخون "الله أكبر"! ثم استرحت أنا ونمتُ قرير العين؟ هنيئاً لي !!
 
هذه بالضبط هي المأساة الذي حدثت منذ أيام في مدينة الشرقية، تم سحل وذبح وتعذيب وقتل وصَلب شابين مصريين (بتهمة) خطفهما لأحد الأطفال وقتله، العجيب أن هذا الأمر تكرر عشرات المرات خلال العامين الماضيين، والأعجب هو أن جمهوراً عريضاً يستسيغ هذه الأفعال بل ويثني عليها بحجة غياب العدل.

هل هكذا يتحقق العدل؟ كيف تكون أنت الخصم والحكم، الضحية والجلاد، كيف تعامل البلطجي ببلطجة أشد من بلطجته؟! فتتفوق عليه في إجرامه!!
لكن لماذا يَقبل الكثير من الناس هذه الأفعال على أنها تطبيق لحد الحرابة؟ وماهي الحرابة وما ضوابطها؟ ومن المسئول عن تطبيقها؟ هل يقبلها البعض لإرضاء رغبة في الانتقام والتشفّي؟ هل يجدون لذة في ذلك؟ أم بسبب وازع ديني؟
 
هل لأن كتب الحديث تروي قصة رجل قتل امرأته الحامل بأن شق بطنها وسقطت وسقط طفلها ميتاً، ثم ذهب إلى النبيّ يحكي له كيف قتل زوجته لأنها كانت تسبّ النبيّ محمد، فلم يعاقبه النبيّ بل أهدر دمها (سنن أبي داود الحديث 4361 و 4362)؟ هل لأن رجال الدين لم يكلفوا أنفسهم مشقة التحقق من صحة هذه الأحاديث التي تجعل للإنسان الحق في عقاب من يشاء كيفما يشاء ثم لا يجد رادعاً؟
 
هل لأن الآية تقول (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض)، ولم يكلف رجال الدين أنفسهم أن يُـفهموا العوام البسطاء أن هذه الطرق في العقاب قد اندثرت وانتهت إلى غير رجعة، مثلها مثل (وما ملكت أيمانكم). وأن الزمان قد تغير، وأن العالم قد بلغ مرتبة من احترام الإنسان وكرامته لا تسمح بهذه الممارسات مهما كان الجُرم؟
 
هل لأن وسائل الإعلام في بلدي لا تهتم إلا بالجرائم التي ترتكبها الحكومة فقط؟ لكنهم يغضون الطرف عن جرائم أبشع منها يرتكبها المواطن في حق أخيه، علناً جهاراً نهاراً على مرئى ومسمع الجميع، يُربط الرجل في السيّارة ويطوفون به المدينة والحمقى يهللون "الله أكبر"، في مشهد وضيع يعود بالزمان إلى عصر الجاهلية وما هو أدنى منه.
 
لكن العوام الذي اقترفوا مثل هذه الوحشية والتمثيل بالأحياء والأموات وصلبهم على أعمدة الإنارة، هؤلاء ربما لا يعرفون أصلاً القصة السابقة من سنن أبي داود ولا الآية الكريمة المذكورة، ولا هم يهتمون بالمشايخ ولا برجال الدين ولا بأبواق الإعلام.
 
لكنها شريعة الغاب وقوانين الحظيرة، أن يكون الموت مجانيّاَ، بلا طعمٍ، ولا حزنٍ، كأن الميتين كلاباَ، أو ذباباً. أستحضر في كل لحظة أمام هذه المشاهد كلمات الراحل نزار قباني..
"نموت مجاناً، كما الذباب في إفريقيا، نموت كالذباب..
ويدخل الموت علينا ضاحكاً، ويقفل الأبواب..
نموت مقهورين، منبوذين، ملعونين، منسيين كالكلاب.."
 
لأن المشايخ علمونا أن حد الحِرابة عدلٌ، وهو تعذيب الأحياء والتمثيل بالموتى.
لأنهم علمونا أن رجم الزاني شرفٌ، وهو أن تسحق عظامه ببطء في بشاعةٍ حتى يموت.
لأنهم علمونا أن قطع جزء من جسد المرأة عفة، وهو أن تحرمها اللذة والإحساس بجسد زوجها أبداً.
لأنهم علمونا أن قطع يد السارق هو شرع الله، في زمان يجاهد الطب فيه ليعيد وصل الأطراف وشفاء المرضى.
لأنهم علمونا أن قتل المرتد واجب، لأنه مارس جريمة التفكير واعتقد في نفسه ما يشاء.
علمنا هؤلاء أن العنف مباحٌ وفيه الشفاء من كل داء.
ومارسنا العنف في بيوتنا وفي المدارس والطرقات، حتى صار العنف شريعة والفوضى قصاص.

علينا جميعاً أن ننتبه، من أن نخرج إلى العالم جيلاً آخر يحركه الحقد والعنف، وتكون الكراهية شريعته.
 
علموا أولادكم المحبة والتسامح، وأن يكون العقل لهم ديناً، في زمن فشل فيه رجال التربية ورجال الدين من أن يخرجوا للعالم إلا هذا الجيل الحقود الكاره، الذي يرى البشاعة ترتكب أمام عينه، فلا يبكي أو يصرخ أو ينتفض، نريد جيلاً آخر أفضل منا مختلف الملامح، عاقلاً مفكراً يقرأ ويتعلم ويسامح.




اقرأ ايضآ

من الذي سقط؟
بواسطة kmkinfo
الثلاثاء,27 سبتمبر 2011 - 10:35 ص
إقرا المزيد
الفلاح المصرى الشهيد الحى
بواسطة abdelghanyelhayes
الأربعاء,10 أبريل 2013 - 03:31 ص
إقرا المزيد
طور حياتك طور حياتك
بواسطة طه ثابت
الأحد,6 أبريل 2014 - 07:21 م
إقرا المزيد
يوميات مغترب
بواسطة abdelghanyelhayes
السبت,21 يوليه 2012 - 01:23 م
إقرا المزيد
حكايات جدتى
بواسطة abdelghanyelhayes
الأحد,10 فبراير 2013 - 06:26 ص
إقرا المزيد
الأغلبية الصامتة والسيرك السياسي؟
بواسطة kmkinfo
الثلاثاء,3 يناير 2012 - 02:09 م
إقرا المزيد
الديمقراطية...وبلوغ سن الرشد
بواسطة وليدالجنابي
الثلاثاء,10 يناير 2012 - 01:46 ص
إقرا المزيد
عامود السحاب خطأ استراتيجي !!
بواسطة khmosleh
الجمعة,23 نوفمبر 2012 - 03:55 م
إقرا المزيد

التعليقات

الآراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع




الأكثر قراءة

عقوبات التزوير في القانون المصري - عدد القراءات : 77132


تعريف الحكومة وانواعها - عدد القراءات : 50311


النظام السـياسي الفرنسي - عدد القراءات : 48890


طبيعة النظام السياسي البريطاني - عدد القراءات : 48477


مفهوم المرحلة الانتقالية - عدد القراءات : 44959


معنى اليسار و اليمين بالسياسة - عدد القراءات : 43392


مفهوم العمران لابن خلدون - عدد القراءات : 43028


ما هى البورصة ؟ و كيف تعمل؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد؟ - عدد القراءات : 41793


منظمة الفرانكفونية(مجموعة الدول الناطقة بالفرنسية) - عدد القراءات : 40769


هيئة الرقابة الإدارية - عدد القراءات : 37992


الاكثر تعليقا

هيئة الرقابة الإدارية - عدد التعليقات - 38


اللقاء العربي الاوروبي بتونس من أجل تعزيز السلام وحقوق الإنسان - عدد التعليقات - 13


ابو العز الحريرى - عدد التعليقات - 10


الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي: رياح التغيير تعصف بعروش الدكتاتوريات العربية - عدد التعليقات - 9


لا لنشر خريطة مصر الخاطئة او التفريط في شبر من أراضيها - عدد التعليقات - 7


الجهاز المركزي للمحاسبات - عدد التعليقات - 6


تعريف الحكومة وانواعها - عدد التعليقات - 5


الليبرالية - عدد التعليقات - 4


محمد حسين طنطاوي - عدد التعليقات - 4


أنواع المتاحف: - عدد التعليقات - 4


استطلاع الرأى