الخميس,3 يوليو 2025 - 07:51 م
: 1129
كتب Osama Ahmed Mohamed Zaki
osama1969zaki@gmail.com
الإيجار القديم في مصر يمثل إحدى القضايا الشائكة والمعقدة التي تؤثر بشكل مباشر على السلم الاجتماعي، خاصة في ظل الظروف الإقتصادية والسياسية الراهنة في المنطقة. إذا تم إقرار تعديلات جذرية على هذا القانون بعد موافقة مجلس النواب مبدئياً دون مراعاة دقيقة لكل الأبعاد، فإن تداعياته قد تكون وخيمة.
طبيعة الأزمة
تكمن أزمة قانون الإيجار القديم في التناقض بين وضعين:
* الملاك:
الذين يرون أنفسهم محرومين من حقوقهم في ملكية عقاراتهم بسبب القيمة الإيجارية الزهيدة التي لا تتناسب مع القيمة السوقية الحالية أو تكاليف الصيانة والضرائب. هذا الوضع يؤدي إلى تدهور العقارات وامتناع الملاك عن صيانتها أو تحديثها.
* المستأجرون:
وخاصة أصحاب الدخول المحدودة، الذين يعتمدون على هذه الإيجارات المنخفضة كحل سكني شبه دائم، ويرون أن أي تغيير مفاجئ سيؤدي إلى تشريدهم أو مطالبتهم بإيجارات لا يستطيعون تحملها.
تداعيات إقرار تعديلات جذرية على القانون
إذا تم إقرار التعديلات المفاجئة وغير مدروسة بعناية على قانون الإيجار القديم، وخاصة بند إنهاء العقود بعد 7 سنوات فقد يؤدي ذلك إلى تداعيات خطيرة على السلم الإجتماعي ، منها:
* زيادة الضغوط الاقتصادية والإجتماعية:
* تشريد الأسر: الملايين من الأسر تعيش في وحدات سكنية تخضع لقانون الإيجار القديم. ولذلك فأي قرار بإنهاء العقود أو رفع الإيجارات بشكل كبير سيؤدي إلى تشريد أعداد هائلة من هذه الأسر، وخاصة الأقل دخلاً، ما يزيد من أزمة السكن.
* ارتفاع معدلات الفقر: حيث الإضطرار لدفع إيجارات أعلى سيستنزف جزءًا كبيرًا من دخول الأسر، مما يدفع بالمزيد منها إلى دائرة الفقر أو يزيد من عمقه لمن هم بالفعل تحت خط الفقر.
* تزايد ظاهرة التشرد: في ظل عدم وجود بدائل سكنية بأسعار معقولة، قد يضطر الكثيرون للعيش في الشوارع أو البحث عن مأوى غير مناسب.
* إحتقان وغضب شعبي:
* مواجهات مجتمعية: قد تحدث إحتكاكات ومواجهات مباشرة بين الملاك والمستأجرين، خاصة إذا ما حاول الملاك استرداد عقاراتهم بالقوة أو فرض شروط مجحفة.
* احتجاجات واضطرابات: الأزمة السكنية وارتفاع تكاليف المعيشة هما من المحفزات الرئيسية للاحتجاجات الاجتماعية. أي قرار يؤثر على استقرار ملايين الأسر يمكن أن يؤدي إلى موجة واسعة من الغضب الشعبي والاضطرابات.
* استغلال الأزمة سياسياً: قد تستغل بعض الأطراف هذه الأزمة لتأجيج المشاعر وتصعيد حدة الاحتجاجات لتحقيق مكاسب سياسية.
* تأثير على الاستقرار الاقتصادي:
* تراجع الإنفاق الإستهلاكي: مع زيادة الأعباء المالية على الأسر، سينخفض الإنفاق على السلع والخدمات الأخرى، مما يؤثر سلباً على النشاط الإقتصادي العام.
* عدم استقرار سوق العقارات: قد يشهد سوق العقارات حالة من الفوضى نتيجة للتعقيدات القانونية والنزاعات المستمرة، مما يؤثر على الإستثمار العقاري.
توصيات للتعامل مع الأزمة
للتعامل مع هذه الأزمة الحساسة والحفاظ على السلم الإجتماعي، يجب اتباع نهج متوازن ومدروس:
* حلول تدريجية: بدلاً من التغيير الجذري والمفاجئ، يمكن تطبيق حلول تدريجية تضمن فترة انتقالية كافية للمستأجرين والملاك على حد سواء.
* برامج دعم حكومية: يجب على الحكومة توفير برامج دعم سكنية للمستأجرين المتضررين، مثل وحدات سكنية مدعومة أو دعم إيجاري مؤقت لمساعدتهم على التكيف مع الوضع الجديد.
* حوار مجتمعي شامل: إجراء حوار وطني يضم جميع الأطراف المعنية (الملاك، المستأجرين، خبراء القانون، الاقتصاديين، ممثلي المجتمع المدني) على أن يأخذ من الوقت ما يتناسب مع حجم الأزمة ومؤثراتها للوصول إلى حلول توافقية وعادلة.
* تشريعات مرنة: سن تشريعات توازن بين حقوق الملاك في استغلال ممتلكاتهم وحق المستأجرين في السكن الكريم، مع الأخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية لكل فئة.
* قواعد بيانات دقيقة: ضرورة تحديث قواعد البيانات الخاصة بالعقارات والمستأجرين والملاك لتحديد الفئات الأكثر احتياجاً للدعم أو المتضررة من أي تغيير.
إن التعامل مع ملف قانون الإيجار القديم يتطلب حكمة بالغة ونظرة شاملة (لم نراها من الحكومة) لضمان استقرار المجتمع وعدم تفاقم المشكلات القائمة. فالسلم الإجتماعي لا ينفصل عن العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وأي قرار لا يراعي هذا الترابط قد تكون عواقبه وخيمة.
ولذلك فالقرار الآن بيد السيد رئيس الجمهورية إما أن يصدق على القانون أو يعيده لمجلس النواب للدراسة المستفيضة وإجراء التعديلات اللازمة على بعض المواد التي قد تؤدي مزيداً من المشاكل الاقتصادية.