الجمعة,25 يوليو 2025 - 12:22 ص
: 1092
كتب Osama Ahmed Mohamed Zaki
osama1969zaki@gmail.com
لطالما عُرف الجيش الأمريكي بأنه القوة العسكرية الأقوى والأكثر تطوراً في العالم، القادرة على حسم أي صراع بفضل تفوقها التكنولوجي واللوجستي.
إلا أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في العقود الأخيرة، من أفغانستان إلى العراق، أثارت تساؤلات جدية حول هذه الهيمنة، ودفعت البعض إلى وصف أمريكا بأنها "نمر من ورق".
فما هي أبرز إخفاقات الجيش الأمريكي في هذه الصراعات، وما الذي يشير إليه هذا الوصف؟
وحل أفغانستان:
أطول حرب وأكبر إخفاق.
يُعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أغسطس 2021 تتويجاً لحرب دامت 20 عاماً، وانتهت بعودة حركة طالبان إلى السلطة، وهي ذات الحركة التي أطاح بها الغزو الأمريكي في عام 2001.
ورغم الإنفاق التريليوني، والخسائر البشرية الفادحة (أكثر من 2400 قتيل أمريكي وآلاف الجرحى)، لم يتمكن الجيش الأمريكي وحلفاؤه من بناء جيش أفغاني قوي ومستقل، أو إرساء دعائم دولة مستقرة قادرة على الوقوف بمفردها.
تمثلت الإخفاقات في أفغانستان في عدة نقاط:
* الاستراتيجية غير الواضحة:
افتقرت الولايات المتحدة إلى استراتيجية واضحة وطويلة الأمد للتعامل مع الطبيعة المعقدة للمجتمع الأفغاني والصراع القبلي.
* الاعتماد على القوة العسكرية:
ركز الجيش الأمريكي بشكل كبير على العمليات العسكرية والقوة النارية، بينما أهمل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كان يمكن أن تساهم في تحقيق الاستقرار.
* بناء المؤسسات الهشة:
رغم الجهود المبذولة، ظلت المؤسسات الحكومية الأفغانية هشة وفاسدة، وغير قادرة على كسب ثقة الشعب أو مواجهة التحديات الأمنية.
* فشل مكافحة التمرد:
لم يتمكن الجيش الأمريكي من القضاء بشكل كامل على حركة طالبان، التي استخدمت تكتيكات حرب العصابات بفعالية، وحظيت بدعم جزئي من بعض السكان المحليين.
فوضى العراق:
من إسقاط النظام إلى حرب أهلية
كان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بهدف إسقاط نظام صدام حسين سريعاً وفعالاً، إلا أن المرحلة التي تلت ذلك تحولت إلى كابوس.
فبدلاً من إحلال الديمقراطية والاستقرار، غرقت البلاد في فوضى عارمة، وحرب أهلية طائفية، وصعود لتنظيمات إرهابية مثل القاعدة ثم داعش.
تشمل إخفاقات الجيش الأمريكي في العراق ما يلي:
* غياب خطة ما بعد الغزو:
لم يكن هناك تخطيط كافٍ لمرحلة ما بعد إسقاط النظام، مما أدى إلى انهيار الدولة والمؤسسات الأمنية، وترك فراغاً استغله المتطرفون.
* حل الجيش العراقي: كان قرار حل الجيش العراقي السابق كارثياً، فقد ألقى بآلاف الجنود المدربين في صفوف البطالة، وتحول الكثير منهم إلى حركات المقاومة أو الجماعات المتطرفة.
* التعامل مع التمرد:
واجه الجيش الأمريكي صعوبة في التعامل مع التمرد المتزايد، الذي اعتمد على العمليات الانتحارية والعبوات الناسفة، مما ألحق خسائر كبيرة بالقوات الأمريكية.
* تغذية الطائفية:
ساهمت بعض السياسات والإجراءات في تعميق الانقسامات الطائفية داخل المجتمع العراقي، مما مهد الطريق لحروب أهلية.
هل أمريكا نمر من ورق؟
لا يعني وصف أمريكا بأنها "نمر من ورق" أن الجيش الأمريكي أصبح ضعيفاً عسكرياً أو غير قادر على خوض الحروب.
فالقوة النارية والتكنولوجية للولايات المتحدة لا تزال لا تُضاهى.
ولكن هذا الوصف يشير إلى أن القدرات العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق النصر في الحروب الحديثة، خاصة تلك التي تتسم بطابع التمرد والحروب غير المتكافئة.
تكمن الإخفاقات في الجوانب الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية، وليس بالضرورة في قوة الجندي الأمريكي أو سلاحه.
فالانتصار في هذه الحروب يتطلب فهماً عميقاً للثقافات المحلية، وبناء تحالفات قوية مع الشعوب، وتطويراً لخطط شاملة لما بعد الصراع، وليس مجرد الاعتماد على القوة الغاشمة.
ومن أفغانستان والعراق إلى طهران:
تصاعد التوتر وتحديات جديدة
في تطور أخير يضاف إلى سجل الحروب المعقدة التي خاضتها الولايات المتحدة، شهد يونيو/حزيران 2025 ضربة جوية أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية حيوية، شملت فوردو ونطنز وأصفهان. هذه الضربات، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت اسم "عملية مطرقة منتصف الليل"، استخدمت فيها قنابل خارقة للتحصينات من طراز GBU-57A/B MOP، وهي أضخم القنابل التقليدية في ترسانة الولايات المتحدة.
كان الهدف المعلن هو تقويض البرنامج النووي الإيراني، وإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية.
ورغم إعلان واشنطن عن نجاح العملية التكتيكي وتسببها في "أضرار بالغة ودمار شديد" للمواقع المستهدفة، إلا أن التداعيات اللاحقة كشفت عن إخفاقات استراتيجية وعسكرية جديدة يمكن إضافتها إلى سجل "النمر من ورق".
تداعيات الضربة الجوية والإخفاقات العسكرية اللاحقة:
* رد الفعل الإيراني غير المتوقع:
لم تلتزم إيران بالرد المباشر الذي توقعه البعض والذي قد يجر المنطقة إلى حرب شاملة. بدلاً من ذلك، اتخذت طهران نهجاً مركباً وغير تقليدي.
أكد الحرس الثوري الإيراني أن "الآن بدأت الحرب بالنسبة لنا"، مشيراً إلى أن الرد قد يأتي عبر وكلاء إقليميين أو هجمات سيبرانية أو استهداف قواعد أمريكية في المنطقة.
* استهداف القواعد الأمريكية:
قامت إيران بشن هجمات صاروخية باليستية على قواعد عسكرية أمريكية في الخليج، أبرزها قاعدة العديد في قطر. ورغم أن الولايات المتحدة أعلنت اعتراض معظم هذه الصواريخ وعدم وقوع خسائر بشرية، إلا أن الهجوم كشف عن ثغرات في الدفاعات الجوية، وأظهر قدرة إيران على الوصول إلى أهداف حساسة.
* الهجمات على إسرائيل:
تزامن الرد الإيراني مع هجمات صاروخية مكثفة على إسرائيل من قبل حلفاء إيران في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان والفصائل الفلسطينية في غزة. هذا التصعيد أثقل كاهل إسرائيل وأجبرها على تشتيت جهودها الدفاعية، مما أضعف من تأثير الضربة الأمريكية المفترض.
* تهديد مضيق هرمز: لوحت إيران بورقة إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لنقل النفط العالمي، مما أثار قلقاً دولياً واسعاً وهدد بإشعال أزمة اقتصادية عالمية.
* التقييم الاستخباراتي المخيب للآمال:
في تناقض صارخ مع التصريحات الرسمية الأمريكية، كشفت تقارير استخباراتية أولية أن الضربات الجوية على المنشآت النووية الإيرانية ربما أخرت البرنامج النووي لطهران لعدة أشهر فقط، وليس القضاء عليه بالكامل كما ادعى ترامب. هذا التقييم يشير إلى أن الهدف الاستراتيجي للضربة لم يتحقق بشكل فعال، وأن إيران لا تزال قادرة على استئناف تخصيب اليورانيوم بوتيرة سريعة.
* فشل في ردع طهران: بدلاً من ردع إيران وإجبارها على التراجع، يبدو أن الضربات قد زادت من تصميم طهران على تطوير برنامجها النووي كوسيلة لردع أي هجمات مستقبلية.
أكد مسؤولون إيرانيون أنهم لا يعتمدون على أي وقف لإطلاق النار، وأنهم مستعدون لأي سيناريو محتمل. كما قامت إيران بترميم أنظمة دفاعها الجوي المتضررة بسرعة باستخدام أنظمة مطورة محليًا، مما يدل على مرونتها وقدرتها على التكيف.
* تفاقم التعقيد الإقليمي:
لم تؤدِ الضربة إلى تبسيط المشهد الإقليمي أو تحقيق الاستقرار، بل زادت من تعقيده.
أصبحت المنطقة على حافة الهاوية، مع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وتهديدات متواصلة بتصعيد أوسع نطاقاً.
خلاصة متجددة:
استمرار تحدي "النمر من ورق"
إن تجربة الضربة الجوية على إيران وما تبعها من ردود فعل وإخفاقات تضاف إلى سجل الجيش الأمريكي، وتؤكد مرة أخرى أن القوة العسكرية وحدها، حتى لو كانت ساحقة، لا تكفي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية في منطقة معقدة ومترابطة مثل الشرق الأوسط.
إن وصف أمريكا بـ "نمر من ورق" لا يشير إلى ضعف عسكري مطلق، بل إلى قصور في الفهم الاستراتيجي والتعامل مع الحروب ذات الطبيعة غير المتكافئة، وحرب الوكلاء، والتعقيدات السياسية والاجتماعية.
فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها طويلة المدى في أفغانستان والعراق، وتجدد التحديات مع إيران، يطرح أسئلة جوهرية حول قدرة القوة العظمى على ترجمة تفوقها العسكري إلى نفوذ سياسي مستدام ونتائج إيجابية على أرض الواقع.
لعل هذه التطورات ستدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها، والبحث عن حلول دبلوماسية وسياسية أكثر شمولية، بدلاً من الاعتماد المفرط على الخيار العسكري الذي أثبت في كثير من الأحيان أنه سيف ذو حدين.
وفي الختام، تُعد تجارب أفغانستان والعراق وإيران دروساً قاسية للولايات المتحدة.
إنها تذكر بأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تفرض السلام أو تحل المشاكل المعقدة في عالم اليوم. ولعل هذه الإخفاقات ستدفع أمريكا إلى إعادة تقييم مقاربتها للحروب، والتركيز على استراتيجيات أكثر شمولية تتجاوز مجرد التفوق العسكري.