الأحد,27 يوليو 2025 - 11:13 ص
: 1302
كتب Osama Ahmed Mohamed Zaki
osama1969zaki@gmail.com
في الأيام القليلة الماضية، ضجت صفحات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو تزعم وقوع أحداث أمنية خطيرة داخل منطقة المعصرة في القاهرة، وصلت حد الادعاء باقتحام منشأة أمنية حساسة. هذه المزاعم لم تلبث أن قوبلت بنفي رسمي قاطع وصريح من وزارة الداخلية المصرية، التي أكدت عدم صحة ما يتم تداوله من مقاطع فيديو وادعاءات مضللة. في المقابل، شنت منصات إعلامية تابعة لجماعة الإخوان حملات مكثفة وممنهجة في محاولة لترسيخ روايتها الخاصة، مستغلين الفضاء الرقمي لتأجيج الشائعات وزعزعة الاستقرار.
بغض النظر عن حقيقة هذه المقاطع، سواء كانت صحيحة أو مفبركة، فإن الجدل الدائر حولها يتجاوز كونه مجرد "معركة معلومات" عابرة. إنه في حقيقته مؤشر خطير يكشف عن هشاشة واضحة في الثقة بين قطاعات من الجمهور والمؤسسات الرسمية. كما أنه يدل على وجود احتقان غير قابل للإنكار في بعض الشرائح المجتمعية، يتغذى على الروايات المتضاربة ويجد في بيئة التواصل الاجتماعي أرضًا خصبة للانتشار والتأثير.
حرب الروايات: الأبعاد والتعقيدات
تُعدّ هذه الواقعة نموذجًا مصغرًا لما يمكن تسميته بـ "حرب الروايات" التي تدور رحاها في الفضاء الرقمي. ففي ظل التطور التكنولوجي السريع وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، أصبح أي حدث، مهما كان حجمه، عرضة للتأويل والتشويه والتوظيف. تتحول المعلومة، أو ما يبدو كذلك، إلى أداة في صراع النفوذ والسرد.
تتميز هذه الحرب بعدة أبعاد:
سرعة الانتشار مقابل سرعة التحقق: تنتشر الشائعة أو المعلومة المضللة بسرعة هائلة بفضل خوارزميات المنصات الرقمية وميل المستخدمين للمشاركة، في حين يستغرق التحقق منها ونفيها وقتًا أطول، مما يعطي الرواية المضللة فرصة أكبر للتغلغل في الوعي العام.
تنوع المصادر وغموضها: يجد المتلقي نفسه أمام سيل من المعلومات القادمة من مصادر متعددة، بعضها مجهول الهوية أو مشبوه، مما يجعل من الصعب التمييز بين المصدر الموثوق وغير الموثوق.
الاستهداف الممنهج: تستغل أطراف معادية، مثل جماعة الإخوان في هذا السياق، نقاط الضعف في بنية الثقة المجتمعية. هدفها ليس إظهار الحقيقة، بل إحداث البلبلة، وتشويه صورة المؤسسات، وزعزعة الأمن المجتمعي من خلال بث روح الشك والارتياب.
الثقة والاحتقان: عوامل أساسية
إن ميل البعض إلى تصديق روايات غير رسمية، حتى لو كانت واهية، ينبع من عوامل أعمق من مجرد تلقي معلومة خاطئة:
فجوة الثقة:
تتآكل الثقة عندما يشعر جزء من الجمهور بوجود غموض أو نقص في الشفافية من قبل الجهات الرسمية. إذا لم يتم تقديم المعلومات بشكل استباقي وواضح ومفصل في الأزمات أو المواقف الملتبسة، فإن الفراغ المعرفي يُملأ سريعًا بالشائعات والتكهنات.
الاحتقان الكامن:
لا يمكن فصل هذه الظواهر عن وجود حالة من الاحتقان الكامن في بعض شرائح المجتمع. سواء كانت هذه الاحتقانات ذات طبيعة اقتصادية (مثل ارتفاع الأسعار والضغوط المعيشية) أو اجتماعية أو حتى سياسية، فإنها تخلق بيئة خصبة لقبول أي رواية تتبنى خطابًا معارضًا أو ناقدًا، حتى لو كانت مبنية على الأكاذيب. هذا الاحتقان يجعل الأفراد أكثر عرضة للتأثر بالرسائل التي تلامس مشاعرهم السلبية أو تؤكد على مخاوفهم.
التوظيف السياسي:
تستغل الجماعات التي تسعى لتقويض الاستقرار هذه العوامل ببراعة. فبدلاً من تقديم حلول، تسعى إلى تأجيج المشاعر السلبية وتضخيم الأزمات لخلق حالة من الفوضى تخدم أجندتها. إنها تعتمد على "الصدمة" و"الاستفزاز" لإثارة الانفعالات وتحويل المزاعم الكاذبة إلى "حقائق راسخة" في أذهان قطاعات واسعة.
التداعيات الخطيرة وطرق المواجهة
إن تداعيات هذه الظاهرة أبعد بكثير من مجرد جدل على السوشيال ميديا. إنها تهدد:
الأمن القومي: من خلال نشر الذعر وتقويض الاستقرار المجتمعي.
النسيج المجتمعي: عبر خلق الانقسامات والشكوك بين المواطنين والمؤسسات.
المصداقية العامة: بـإضعاف الثقة في أي معلومة رسمية مستقبلية.
لمواجهة هذه الظاهرة المركبة، يتطلب الأمر استراتيجية شاملة لا تقتصر على النفي الرسمي:
تعزيز الشفافية والاتصال الاستباقي:
يجب على المؤسسات الرسمية أن تتبنى نهجًا أكثر انفتاحًا وسرعة في التواصل. الرد الفوري على الشائعات، وتقديم الحقائق بالدليل القاطع، وبناء قنوات اتصال موثوقة تتيح للجمهور الحصول على المعلومة من مصدرها الرسمي مباشرة، هي خطوات حيوية.
التوعية الإعلامية والرقمية:
يجب تكثيف حملات التوعية للمواطنين حول كيفية التحقق من الأخبار والمصادر، وتشجيع مهارات التفكير النقدي قبل تصديق أو إعادة نشر أي محتوى على الإنترنت.
التفنيد الاحترافي والملاحقة القانونية: لا يكفي النفي؛ بل يجب تفنيد المزاعم بالأدلة التقنية والقانونية، وكشف زيف الفيديوهات المفبركة، مع الملاحقة القانونية الصارمة لمروجي الشائعات الذين يهدفون إلى الإضرار بالأمن العام.
معالجة جذور الاحتقان:
على المدى الطويل، يجب على الدولة التركيز على معالجة الأسباب الجذرية لأي احتقان شعبي، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية. فـالرضا الشعبي هو خط الدفاع الأول ضد محاولات زعزعة الاستقرار وتأجيج الشائعات.
في عصر تزايد فيه التشويش وتتلاشى فيه الحدود بين الحقيقة والزيف، فإن فيديوهات مثل حادثة المعصرة المفبركة تمثل جرس إنذار يدعو الجميع - دولة ومؤسسات ومواطنين - إلى إدراك أن حماية المجتمع من حرب الروايات المضللة تتطلب جهدًا جماعيًا لبناء جسور الثقة وتعزيز الوعي.
في رأيك، ما هي أبرز التحديات التي تواجه الجهات الرسمية في كسب ثقة الجمهور في عصر السوشيال ميديا؟