الإثنين,11 أغسطس 2025 - 11:11 ص
: 5749
كتب Osama Ahmed Mohamed Zaki
osama1969zaki@gmail.com
لم تعد خطة احتلال قطاع غزة بالكامل مجرّد إجراء عسكري محدود، بل باتت تُقرأ على نطاق واسع كإعلان حرب شاملة على أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم.
هذه الخطة، التي تأتي في ظل حصاراً مستمراً منذ ما يقارب 18 عامًا، تمثل تحديًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وامتحانًا حقيقيًا لإرادة المجتمع الدولي الذي طالما روّج لخطاب الدفاع عن حقوق الإنسان.
أبعاد عسكرية تتجاوز "العملية المحدودة"
في التعريف القانوني، يُعتبر الإحتلال واقعًا عندما تمارس قوة أجنبية "سيطرة فعّالة" على إقليم ما دون موافقة سلطته الشرعية. وهذا يتطلب إنتشارًا بريًا دائمًا وقدرة تنفيذية وإدارية على إدارة شؤون السكان. لكن في حالة غزة، فإن المشهد المتوقع يتضمن أكثر من مجرد وجود عسكري، بل يمتد إلى حرب شوارع ممتدة، تدمير البنية التحتية المدنية، وقيود صارمة على الحركة والإمداد.
الخبراء العسكريون يحذرون من أن السيطرة على مدينة ومخيمات مكتظة بالسكان ستقود حتمًا إلى ارتفاع كبير في الخسائر البشرية، وتكلفة عسكرية وسياسية باهظة. ومع مقاومة مسلحة متوقعة، فإن الإحتلال قد يتحول إلى عبء استنزافي طويل الأمد.
كارثة إنسانية تلوح في الأفق
على الصعيد الإنساني، يُحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) من أن القطاع يواجه بالفعل انهيارًا شبه كامل في خدمات الصحة والمياه والكهرباء. ومع تنفيذ خطة الإحتلال، قد تتعطل تمامًا شبكات الإمداد، ويتضاعف خطر المجاعة، خاصة مع تقييد دخول المساعدات لفترات أخرى أو تعطيلها. وفي ظل غياب ممرات إنسانية آمنة، سيكون المدنيون عرضة لخطر التهجير القسري أو الحصار الداخلي.
القانون الدولي… خريطة واضحة للانتهاكات المحتملة
القانون الدولي الإنساني، ممثلًا في اتفاقيات لاهاي (1907) وجنيف الرابعة (1949)، يحظر بشكل واضح إستهداف المدنيين (وهو ما يحدث يومياً) أو تهجيرهم قسرًا أو تدمير البنية التحتية الضرورية لبقائهم على قيد الحياة. كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يدرج التهجير القسري، والإستهداف المتعمد للمدنيين، وتجويع السكان، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وفي حال تنفيذ الخطة كما يُتداول، فإن عدداً من هذه البنود قد يجد طريقه إلى ملفات المساءلة الدولية، سواء أمام المحكمة الجنائية الدولية أو عبر آليات الأمم المتحدة للتحقيق.
الأمم المتحدة أمام لحظة الحقيقة
الأمم المتحدة حذّرت رسميًا من "عواقب كارثية" لأي عملية عسكرية واسعة في غزة. لكن التحدي الأكبر يكمن في مجلس الأمن، حيث غالبًا ما تُعيق الحسابات السياسية وحق النقض (الفيتو) أي قرارات ملزمة. وفي حال فشل المنظمة الدولية في اتخاذ موقف فعّال، فإن ذلك سيُقوّض مصداقيتها، ويكرّس صورة القانون الدولي كأداة انتقائية تحكمها موازين القوى.
مشروع "الفوضى الخلاقة" و"الشرق الأوسط الجديد"
في الأوساط السياسية، يرى محللون أن احتلال غزة قد يكون خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة، في إطار ما يُسمى "مشروع الفوضى الخلاقة" تمهيدًا لـ"الشرق الأوسط الجديد". هذا السيناريو، إذا تحقق، لن يقتصر أثره على فلسطين، بل سيمتد ليهدد استقرار دول الجوار ويُدخل المنطقة في مرحلة طويلة من الاضطراب الأمني والسياسي.
المجتمع الدولي بين المحاسبة والتقاعس
المجتمع الدولي أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما التحرك لوقف الإحتلال ومحاسبة القائمين عليه، أو القبول عمليًا بمنحه الضوء الأخضر. الخيار الأول يتطلب خطوات ملموسة مثل فرض عقوبات، إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، ودعم مبادرات لوقف إطلاق النار. أما الخيار الثاني – وهو التقاعس – فسيعني تكريس الإفلات من العقاب، وفتح الباب أمام انتهاكات أوسع في مناطق أخرى من العالم.
خاتمة
خطة إحتلال غزة ليست حدثًا عابرًا في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل محطة مفصلية ستحدد شكل المنطقة لعقود قادمة. هي اختبار حقيقي لمدى التزام العالم بالقيم التي يرفعها. فإذا كان القانون الدولي وحقوق الإنسان من أهم المبادئ الغير قابلة للتجزئة، فإن هذه اللحظة هي لحظة الحسم. وإلا، فإن المنطقة كلها قد تجد نفسها عالقة في دوامة الفوضى، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القوة.
ملحوظة :
هذا المقال يستند إلى نصوص اتفاقيات دولية (لاهاي، جنيف، نظام روما) وتقارير أممية وإنسانية حديثة، بما فيها تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وتحذيرات منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية.