ومضي عام علي رحيل المخلوع

27-02-2012 05:55 AM - عدد القراءات : 2651
كتب محمد ابونار
mohamed_abunar@yahoo.com

مضي عام بالكامل علي تنحي الرئيس السابق حسني مبارك نزولاً علي الإرادة الشعبية الحرة التي بدأت في 25 يناير واستمرت بعزيمة قوية وإرادة حقيقة حتى تنحي المخلوع، ومازالت الأحداث كما هي حاث تلو الآخر، حيث نتابع جميعاً عن كثب الأحداث السياسية الحالية وما سوف يؤول إليه المشهد السياسي الحالي،

edf40wrjww2News:news_body
fiogf49gjkf0d

فكل منا يحاول تفسير المشهد بطريقته الخاصة، وقد اجتهدت كغيري في تفسير ذلك المشهد المعقد للغاية وكذلك السيناريوهات المتوقعة للحالة المصرية خلال الفترة القادمة وذلك خلال أحد لقاءاتي التلفزيونية بنشرة أخبار قناة صانعي القرار الإماراتية كمحللاً سياسيا، وقد كان اللقاء في بداية أحداث مجلس الوزراء يوم الجمعة 16/12/2011، وقد صادف ذلك اليوم انتهاء المرحلة الثانية من انتخابات مجلس الشعب، وقد كانت المؤشرات تشير إلي فوز التيار الإسلامي ليعزز من اكتساحه خلال المرحلة الأولي من الانتخابات وأيضاً صادف بداية أحداث مجلس الوزراء بشارع القصر العيني، وقد سألتني المذيعة حينها عن وجهة نظري حول المشهد السياسي والذي أجملته بأنه ومنذ انتهاء أحداث الثورة فإن الشارع المصري قد انقسم إلي ثلاثة تيارات تتنافس فيما بينها، ولكل منها ثقله بالشارع وهما:-
1) التيار الإسلامي:- أو التيار اليميني المحافظ، ويسيطر عليه جماعة الأخوان المسلمين (بحزبه الحرية والعدالة)، والتيار السلفي (بحزبه النور)، وحزب الوسط (المنشق عن جماعة الأخوان المسلمين)، وهذا التيار يتميز بالحضور الكبير علي المستوي الشعبوي أكثر من وجوده علي المستوي النخبوي.
2) التيار اليساري:- وهم الأحزاب الثورية والحركات اليسارية التي خرجت من رحم الثورة، وكان لها دور كبير في الثورة مثل حركة شباب 6 إبريل وحركة الاشتراكيين الثوريين وحملة دعم البرادعي، وحزب المصريون الأحرار والسلام الديمقراطي وغيرها من الأحزاب والتيار الليبرالي والعلماني والمسيحيين في مصر، ويعيب هذا التيار قصوره علي الجانب النخبوي دون الجانب الشعبوي.
3) فلول النظام السابق:- وهم أعضاء الحزب الوطني المنحل وبعض ضباط أمن الدولة السابقين وبعض رجال الأعمال الذين تربحوا من النظام السابق، أو ما يطلق عليهم المسئولين باللهو الخفي أو الطرف الثالث.
ويسعي كل تيار من الثلاثة إلي تعزيز مكاسبه ووجوده وفرض آرائه علي التيارات الآخري، انطلاقاً من أن كل حزب بما لديهم فرحون، وقد سعي كل تيار إلي تكيس هيمنته وأسلوبه الخاص عن طريق أسلوب الاستبعاد أكثر من أسلوب الاحتواء (أو ما يطلق عليه ثقافة
COMPROMISE)، وهي ثقافة الحلول الوسط أو التنازل وهي الثقافة غير المتواجدة في قاموسنا العربي، والذي كان أكثر ما تتطلبه المرحلة الحالية لتدعيم مبدأ المشاركة وليس المحاصصة للعبور بسفينة الديمقراطية المصرية إلي بر الأمان.
ولكن حدثت الأخطاء تلو الآخري والتي عطلت من سير السفينة بل وهددت بغرق السفينة كلها وانتكاس عملية الديمقراطية برمتها تفعيلاً لمقولة بيدي لا بيدي عمرو.
فأنا من أشد المؤمنين بمبدأ الاحتواء درءا للمخاطر الناتجة عن الاستبعاد فالتيار الإسلامي والقوي الثورية قد سارعت بمعاقبة فلول النظام السابق بأن طالبت بما يسمي بقانون العزل السياسي (التي هي سياسة الحزب الوطني ذاتها مع المعارضين)، بدلاً من أن يحاولوا أن يتم احتوائهم في الحياة السياسية كبداية جديدة تتمثل فيها كل التيارات السياسية تحت مظلة الشرعية الدستورية رافضين ثقافة العفو التي اتبعها الرسول الكريم بعد دخوله لمكة حين قال لأهل قريش اذهبوا فأنتم الطلقاء، ولا أريد أن يفهم من حديثي هذا التنازل عن حقوق الشعب الكادح ولكن ثقافة التسامح والمهادنة للعبور بالمرحلة الانتقالية بأقل الخسائر الممكنة بدلاً من الدائرة المفرغة التي ندور في رحاها.
وقد نري منذ انتهاء الثورة وتنحي المخلوع بأن الثمه الغالبة للاستفتاء أو انتخابات مجلس الشعب هو البعد الطائفي الذي كان يصب في صالح القوي الدينية وقد فازت بالفعل في نتيجة الاستفتاء أو الانتخابات البرلمانية.
وفي حين مثلت نتيجة الانتخابات البرلمانية صدمة كبيرة للتيار اليساري والثوري والعلماني، والتي رفضت استئثار التيار الإسلامي بالمؤسسة الشرعية الأكبر في البلاد والتي ستشكل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، فإن تيار اليسار قد حاول الاعتراض بشتى الطرق علي النتيجة من خلال أحداث مجلس الوزراء أو الاحتكاك بالإخوان المسلمين خلال الاحتفالات بذكري ثورة 25 يناير أو تسيير المسيرات إلي البرلمان أثناء انعقاده لولا تدخل شباب الإخوان وتشكيل دروع بشرية، وكان الاعتراض الأكبر من خلال محاولة إسقاط حكم العسكر قبل نهاية المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة للمدنيين بعد انتخاب رئيس للجمهورية، وإنما أيضاً محاولة التعجيل بالانتخابات الرئاسية قبل وضع الدستور.
ثم جاءت أحداث بورسعيد الأخيرة التي مثلت الذريعة الأكبر والأهم نحو إسقاط المجلس العسكري، وإن كنت أري أن عدم الانتظار حتى انتهاء الفترة الانتقالية ومعاداة الجيش ممثلاً في مجلسه العسكري يعتبر أمراً غير مبرراً (وهذه وجهة نظري فقط والتي لا تعدو إلا أن تكون وجهة نظر الباحث)، في ظل حالة الاحتقان الذي يشهده الشارع المصري بين مؤيد ومعارض.
وحقيقة فإني لا ألوم التيار اليساري بالدرجة الكبيرة خاصة بعد خروجهم خاليين الوفاض، ولكني أيضاً أوجه اللوم وبقوة للتيار الإسلامي نتيجة الهيمنة الكبيرة علي مقاعد البرلمان بل ولجانه الفرعية خاصة في ظل أول انتخابات برلمانية كان يمكن المشاركة بها إلي بعث حالة من الحراك السياسي أكثر من الركود.
ولن أفوت الفرصة حتى أوجه بعض اللوم للمجلس الأعلي للقوات المسلحة علي تباطؤه غير المبرر في محاكمات النظام السابق وعلي مرور الفترة الانتقالية بأقل الخسائر خاصة بعد زيادة الأحداث بصورة مخيفة وتقارب وتيرتها من ماسبيرو إلي محمد محمود ومجلس الوزراء وأحداث بورسعيد وأخيرا أحداث شارع الفلكي، وعلي تصميم المجلس العسكري علي الاحتفاظ بوضع خاص في الدستور الجديد وقد ظهر ذلك جلياً من خلال وثيقة السلمي مما قد مثلته من جس النبض للشارع علي الوضع الجديد.
وفي النهاية لابد من الإسراع قد الإمكان في إجراء الانتخابات الرئاسية خاصة بما يمثله رئيس الجمهورية من رمز هام لتحقيق الاستقرار والعبور بسفينة مصر إلي بر الأمان حتى تعود مصرنا التي في خاطرنا كما نرغبها ونتمناها.